ابن قيم الجوزية
481
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
[ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 13 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 13 ) قالوا : الحس شاهد : أن الأجزاء التي في المولود من أمه أضعاف أضعاف الأجزاء التي فيه من أبيه . فثبت أن تكوينه من مني الأم ودم الطمث ، ومني الأب عاقد له كالأنفحة . ونازعهم الجمهور ، وقالوا : إنه يتكون من مني الرجل والأنثى ، ثم لهم قولان . أحدهما : أن يكون من مني الذكر أعضاؤه ، وأجزاؤه ، ومن مني الأنثى صورته . والثاني : أن الأعضاء والأجزاء والصورة تكونت من مجموع الماءين ، وأنهما امتزجا واختلطا وصارا ماء واحدا . وهذا هو الصواب ، لأننا نجد الصورة والتشكيل تارة إلى الأب ، وتارة إلى الأم . واللّه أعلم . وقد دل على هذا قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى والأصل : هو الذكر . فمنه البذر ، ومنه السقي . والأنثى وعاء ومستودع لولده . تربيه في بطنها ، كما تربيه في حجرها . ولهذا كان الولد للأب حكما ونسبا . وأما تبعيته للأم في الحرية والرق فلأنه إنما تكوّن وصار ولدا في بطنها ، وغذته بلبانها مع الجزء الذي فيه منها . وكان الأب أحق بنسبه وتعصيبه لأنه أصله ومادته ونسخته . وكان أشرفهما دينا أولى به ، تغليبا لدين اللّه وشرعه .