ابن قيم الجوزية

469

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

[ سورة الشورى ( 42 ) : آية 49 ] لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ( 49 ) قسم سبحانه حال الزوجين إلى أربعة أقسام ، اشتمل عليها الوجود ، وأخبر أن ما قدره بينهما من الولد فقد وهبهما إياه وكفى بالعبد تعرضا لمقته : أن يتسخط ما وهبه . وبدأ سبحانه بذكر الإناث . فقيل : خيرا لهن لأجل استقبال الوالدين لمكانهما . وقيل - وهو أحسن - إنما قدمهن لأن سياق الكلام أنه فاعل لما يشاء ، لا لما يشاء الأبوان . فإن الأبوين لا يريدان إلا الذكور غالبا ، وهو سبحانه قد أخبر أنه يخلق ما يشاء ، فبدأ بذكر الصنف الذي يشاؤه ولا يريده الأبوان . وعندي وجه آخر : وهو أنه سبحانه قدم ما كانت تؤخره الجاهلية من أمر البنات ، حتى كأن الغرض بيان أن هذا النوع المؤخر الحقير عندكم مقدم عندي في الذكر . وتأمل كيف نكّر سبحانه الإناث ، وعرف الذكور ، فجبر نقص الأنوثة بالتقديم ، وجبر نقص التأخير للذكور بالتعريف . فإن التعريف تنزيه . كأنه قال : ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم . [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 50 ] أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 50 ) ثم لما ذكر الصنفين معا قدم الذكور إعطاء لكل من الجنسين حقه من التقديم والتأخير . واللّه أعلم بما أراد من ذلك . والمقصود : أن التسخط بالإناث من أخلاق الجاهلية الذين ذمهم اللّه سبحانه في قوله : 16 : 58 وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ، يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ : أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ ، أَمْ يَدُسُّهُ فِي