ابن قيم الجوزية

467

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

وتبليغ سنته إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو . لأن تبليغ السهام يفعله كثير من الناس . وأما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم . جعلنا اللّه تعالى منهم بمنه وكرمه . وهم كما قال عمر بن الخطاب في خطبته التي ذكرها ابن وضاح في كتاب الحوادث والبدع له ، إذ قال : « الحمد للّه الذي امتن على العباد بأن جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم ، يدعون من ضل إلى الهدى ، ويصبرون منهم على الأذى ، ويبصرون بكتاب اللّه أهل العمى ، كم من قتيل لا بليس قد أحيوه . وضال قد هدوه ، بذلوا دماءهم وأموالهم دون هلكة العباد . فما أحسن أثرهم على الناس ، وما أقبح أثر الناس عليهم . يغلبونهم في سالف الدهر ، وإلى يومنا هذا . فما نسيهم ربك . وما كان ربك نسيا ، جعل قصصهم هدى ، وأخبر عن حسن مقالتهم ، فلا تقصر عنهم ، فإنهم في منزلة رفيعة وإن أصابتهم الوضيعة » . وقال عبد اللّه بن مسعود « إن للّه عند كل بدعة كيد بها للإسلام وليا من أوليائه يذب عنها ، وينطق بعلاماتها ، فاغتنموا حضور تلك المواطن وتوكلوا على اللّه » . ويكفي في هذا قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعلي ولمعاذ أيضا « لأن يهدي بك اللّه رجلا واحدا خير لك من حمر النعم » و قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « من أحيي شيئا من سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين . وضم بين إصبعيه » و قوله « من دعا إلى الهدى فأتبع عليه كان له مثل أجر من اتبعه إلى يوم القيامة » . فمتى يدرك العامل هذا الفضل العظيم . والحظ الجسيم بشيء من علمه . وإنما ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم .