ابن قيم الجوزية
45
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
سأله عمر : ومن حضر من أهل بدر وغيرهم عن سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وما خص به ابن عباس من فهمه منها : أنها نعي اللّه سبحانه نبيه إلى نفسه ، وإعلامه بحضور أجله ، وموافقة عمر له على ذلك ، وخفائه عن غيرهما من الصحابة وابن عباس إذ ذاك أحدثهم سنا ، وأين تجد هذه السورة الإعلام بأجله ، لولا الفهم الخاص ؟ ويدق هذا حتى يصل إلى مراتب تتقاصر عنها أفهام أكثر الناس ، فيحتاج مع النص إلى غيره . ولا يقع الاستغناء بالنصوص في حقه ، وأما في حق صاحب الفهم فلا يحتاج مع النصوص إلى غيرها . فصل المرتبة السادسة : مرتبة البيان العام . وهو تبيين الحق وتمييزه من الباطل بأدلته وشواهده وأعلامه . بحيث يصير مشهودا للقلب ، كشهود العين للمرئيات وهذه المرتبة هي حجة اللّه على خلقه ، التي لا يعذب أحدا ولا يضله ، إلا بعد وصوله إليها . قال اللّه تعالى 9 : 115 وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ فهذا الإضلال عقوبة منه لهم ، حين بين لهم فلم يقبلوا ما بينه لهم ولم يعملوا . فعاقبهم بأن أضلهم عن الهدى ، وما أضل اللّه سبحانه أحدا قط إلا من بعد هذا البيان . وإذا عرفت هذا عرفت سر القدر ، وزالت عنك شكوك كثيرة وشبهات في هذا الباب وعلمت حكمة اللّه في إضلاله من يضله من عباده ، والقرآن يصرح بهذا في غير موضع ، كقوله : 61 : 5 فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ 4 : 155 وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فالأول : كفر عناد ، والثاني : كفر طبع ، وقوله : 6 : 110 وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ . وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ فعاقبهم على ترك الإيمان به حين تيقنوه وتحققوه . بأن قلّب