ابن قيم الجوزية

444

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

بحكاية الأقوال ، بل هما قول واحد . [ سورة الصافات ( 37 ) : آية 79 ] سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ ( 79 ) فمن قال : إن المتروك هو السلام عليهم في الأخرى نفسه ، فلا ريب أن قوله « سَلامٌ عَلى نُوحٍ » جملة في موضع نصب بتركنا . والمعنى : أن العالمين يسلمون على نوح ومن بعده من الأنبياء . ومن فسره بلسان الصدق والثناء الحسن . نظر إلى لازم السلام وموجبه ، وهو الثناء عليهم ، وما جعل لهم من لسان الصدق الذي لأجله إذا ذكروا سلم عليهم . وقد زعمت طائفة ، منهم : ابن عطية وغيره . أن من قال : تركنا عليه ثناء لها حسنا ولسان صدق . كان : « سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ » جملة ابتدائية ، لا محل من الإعراب . وهو سلام من اللّه سلم به عليه . قالوا : فهذا السلام من اللّه أمنة لنوح في العالمين أن يذكره أحد بشر : قاله الطبراني . وقد يقوي هذا القول : أنه سبحانه أخبر أن المتروك عليه هو في الأخرى وأن المسلم عليه في العالمين ، وبأن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : أبقى اللّه عليه ثناء حسنا . وهذا القول ضعيف لوجوه . أحدها : أنه يلزم منه حذف المفعول لتركنا ، ولا يبقى في الكلام فائدة على هذا التقدير ، فإن المعنى يؤول إلى : أنا تركنا عليه في الآخرين أمرا لا ذكر له في اللفظ . لأن السلام عند هذا القائل منقطع بما قبله ، لا تعلق له بالفعل . الثاني : أنه لو كان المفعول محذوفا كما ذكره لذكروه في موضع واحد ، ليدل على المراد منه عند حذفه . ولم يطرد حذفه في جميع من أخبر أنه ترك عليه في الآخرين الثناء الحسن . وهذه طريقة القرآن ، بل وكل كلام فصيح : أن يذكر الشيء في موضع ثم يحذفه في موضع آخر ، لدلالة فصيح : أن يذكر الشيء في موضع ثم يحذفه في موضع آخر ، لدلالة