ابن قيم الجوزية

41

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

فذكر في أول الآية وحيه إلى نوح والنبيين من بعده ، ثم خص موسى من بينهم بالإخبار بأنه كلمه . وهذا يدل على أن التكليم الذي حصل له أخص من مطلق الوحي الذي ذكر في أول الآية . ثم أكده بالمصدر الحقيقي الذي هو مصدر « كلم » وهو « تكليم » رفعا لما توهمه المعطلة والجهمية والمعتزلة وغيرهم من أنه إلهام ، أو إشارة ، أو تعريف للمعنى النفسي بشيء غير التكليم . فأكده بالمصدر المفيد تحقيق النسبة ورفع توهم المجاز . قال الفراء : العرب تسمي ما يوصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل . ولكن ما تحققه بالمصدر ، فإذا حققته بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام ، كالإرادة يقال : فلان أراد إرادة ، يريدون حقيقة إرادة . ويقال : أراد الجدار ، ولا يقال : إرادة . لأنه مجاز غير حقيقة . هذا كلامه . وقال تعالى : 7 : 143 وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ وهذا التكليم غير التكليم الأول الذي أرسله به إلى فرعون . وفي هذا التكليم الثاني سأل النظر ، لا في الأول ، وفيه أعطى الألواح . وكان عن مواعدة من اللّه له . والتكليم الأول لم يكن عن مواعدة . وفيه قال اللّه له : 7 : 144 يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي أي بتكلمي لك بإجماع السلف . وقد أخبر سبحانه في كتابه أنه ناداه وناجاه . فالنداء من بعد والنجاء من قرب . تقول العرب : إذا كبرت الحلقة فهو نداء أو نجاء وقال له أبوه آدم في محاجته « أنت موسى الذي اصطفاك اللّه بكلامه ، وخط لك التوراة بيده » . وكذلك يقول له أهل الموقف إذا طلبوا منه الشفاعة إلى ربه . وكذلك في حديث الإسراء في رؤية موسى في السماء السادسة أو السابعة ، على اختلاف الرواية . قال « وذلك بتفضيله بكلام اللّه » ولو كان التكليم الذي حصل له من جنس ما حصل لغيره من الأنبياء لم يكن هذا التخصيص به في هذه الأحاديث معنى . ولا كان يسمى « كليم الرحمن » وقال تعالى : 42 : 51 وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً ، أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ، أَوْ يُرْسِلَ