ابن قيم الجوزية

384

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

فأتى في المرضعة بالتاء التي تحقق فعل الرضاعة دون التهيؤ لها . وأتى في الحامل بالسبب الذي يحقق وجود الحمل وقبوله للوضع . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 30 إلى 31 ] ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ( 30 ) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ ( 31 ) فتأمل هذا المثل ومطابقته لحال من أشرك باللّه . وتعلق بغيره . ويجوز لك في هذا التشبيه أمران . أحدهما : أن تجعله تشبيها مركبا . ويكون قد شبه من أشرك باللّه وعبد معه غيره برجل قد تسبب إلى هلاك نفسه هلاكا لا يرجى معه نجاة . فصور حاله بصورة حال من خرّ من السماء فاختطفته الطير في الهواء فتفرق مزعا في حواصلها ، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة . وعلى هذا لا تنظر إلى كل فرد من أفراد المشبه ومقابله من المشبه به . الثاني : أن يكون من التشبيه المفرق ، فيقابل كل واحد من أجزاء الممثل بالممثل به . وعلى هذا فيكون قد شبه الايمان والتوحيد في علوه وسعته وشرفه بالسماء التي هي مصعده ومهبطه . فمنها هبط إلى الأرض وإليها يصعد منها . وشبه تارك الايمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين ، من حيث التضييق الشديد والآلام المتراكمة . والطير التي تتخطف أعضاءه وتمزقه كل ممزق بالشياطين التي يرسلها سبحانه وتعالى عليه تؤزه أزّا وتزعجه وتدفعه إلى مظان هلاكه . فكل شيطان له مزعة من دينه وقلبه ، كما أن لكل طير مزعة من لحمه وأعضائه والريح التي تهوى به في مكان سحيق : هو هواه الذي يحمله