ابن قيم الجوزية
366
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
السنة ، وأمره غير مفروط عليه ، بل هو حازم في أمره فليستمسك بغرزه . وقد سئل أبو العباس ثعلب عن قوله تعالى : أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا فقال : جعلناه غافلا . قال : ويكون في الكلام : أغفلته ، سميته غافلا : ووجدته غافلا . قلت : الغفل الشيء الفارغ ، والأرض الغفل : التي لا علامة بها ، والكتاب الغفل : الذي لا شكل عليه . فأغفلناه : تركناه غافلا عن الذكر فارغا منه . فهو إبقاء له على العدم الأصلي ، لأنه سبحانه لم يشأ له الذكر ، فبقي غافلا ، فالغفلة وصفه . والإغفال فعل اللّه فيه بمشيئته ، وعدم مشيئته لتذكرة . فكل منهما مقتض لغفلته . فإذا لم يشأ له التذكر لم يتذكر ، وإذا شاء غفلته امتنع منه الذكر . فإن قيل : فهل تضاف الغفلة والكفر والأعراض ونحوها إلى عدم مشيئة الرب لأضدادها ، أم إلى عدم مشيئته لوقوعها ؟ قيل : القرآن قد نطق بهذا وبهذا . قال تعالى : 5 : 41 أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ وقال : 5 : 41 وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وقال : 6 : 125 فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ . وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ . فإن قيل : فكيف يكون عدم السبب المقتضي موجبا للأثر ؟ قيل : الأثر إن كان وجوديا فلا بد من مؤثر وجودي ، وأما العدم فيكفي فيه عدم سببه وموجبه . فيبقى على العدم الأصلي . فإذا أضيف إليه ، كان من باب إضافة الشيء إلى دليله . فعدم السبب دليل على عدم المسبب . وإذا سمي موجبا ومقتضيا بهذا الاعتبار فلا مشاحّة في ذلك وإما أن يكون العدم أثرا ومؤثرا فلا .