ابن قيم الجوزية

335

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

أنزله لحياة الأرض بالنبات . وشبه القلوب بالأودية . فقلب كبير . يسع علما عظيما . كواد كبير يسع ماء كثيرا . وقلب صغير إنما يسع بحسبه ، كواد صغير ، فسالت أودية بقدرها . واحتملت قلوب من الهدى والعلم بقدرها ، وكما أن السيل إذا خالط القلوب أثار ما فيها من الشهوات والشبهات ، ليقلعها ويذهبها ، كما يثير الدواء وقت شربه من البدن أخلاطه ، فيتكدر بها شاربه ، وهي من تمام نفع الدواء . فإنه إنما أثارها ليذهب بها ، فإنه لا يجامعها ولا يشاركها . وهكذا يضرب اللّه الحق والباطل . ثم ذكر المثل الناري فقال : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ وهو الخبث الذي يخرج عند سبك الذهب والفضة والنحاس والحديد ، فتخرجه النار وتميزه ، وتفصله من الجوهر الذي ينتفع به ، فيرمى ويطرح ويذهب جفاء ، وكذلك الشهوات والشبهات يرميها العلم والهدى من قلب المؤمن ويطرحها . ويجفوها ، كما يطرح السيل والنار ذلك الزبد والغثاء والخبث ، ويستقر في قرار الوادي الماء الصافي الذي يستسقي منه الناس ويزرعون ويسقون أنعامهم . كذلك يستقر في قرار القلب وجذره الإيمان الخالص الصافي الذي ينفع صاحبه وينتفع به غيره . ومن لم يفقه هذين المثلين ولم يتدبرهما ، ويعرف ما يراد منهما فليس من أهلهما . واللّه الموفق . وقال في مفتاح دار السعادة : 13 : 17 أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً . هذا هو المثل المائي . شبه الوحي الذي أنزله لحياة القلوب بالماء الذي أنزله من السماء . وشبه القلوب الحاملة له بالأودية الحاملة للسيل ، فقلب كبير يسع علما عظيما كواد كبير يسع ماء كثيرا ، وقلب صغير كواد صغير يسع علما قليلا ، فحملت القلوب من هذا العلم بقدرها ، كما سالت الأودية بقدرها .