ابن قيم الجوزية

313

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

فإذا كان معنى الصلاة هو الثناء على الرسول والعناية به ، وإظهار شرفه وفضله وحرمته ، كما هو المعروف من هذه اللفظة ، لم يكن الصلاة في الآية مشتركا محمولا على معنييه ، بل يكون مستعملا في معنى واحد . وهذا هو الأصل في الألفاظ وسنعود إن شاء اللّه تعالى إلى هذه المسألة في الكلام على قوله تعالى : 33 : 56 إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ . وأما الصرف فقال تعالى : 9 : 127 وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ : هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ فأخبر سبحانه عن فعلهم ، وهو الانصراف ، وعن فعله فيهم ، وهو صرف قلوبهم ان القرآن وتدبره ، لأنهم ليسوا أهلا لها . فالمحل غير صالح ولا قابل . فإن صلاحية المحل بشيئين : حسن فهم ، وحسن قصد . وهؤلاء قلوبهم لا تفقه ، وقصودهم سيئة . وقد صرح سبحانه بهذا في قوله : 8 : 23 وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فأخبر سبحانه عن عدم قابلية الإيمان فيهم ، وأنهم لا خير فيهم يدخل الإيمان بسببه إلى قلوبهم . فلم يسمعهم سماع إفهام ينتفعون به ، وإن سمعوه سماعا تقوم به عليهم حجته فسماع الفهم الذي سمعه به المؤمنون لم يحصل لهم . ثم أخبر سبحانه عن مانع آخر قام بقلوبهم ، يمنعهم من الإيمان لو أسمعهم . هذا السماع الخاص ، وهو الكبر التولي والاعراض . فالأول : مانع من الفهم . والثاني : مانع من الانقياد والإذعان . فأفهامهم سيئة وقصودهم رديئة وهذه سمة الضلال وعلم الشقاء . كما أن سمة الهدى وعلم السعادة فهم صحيح ، وقصد صالح . واللّه المستعان . وتأمل قوله سبحانه : ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ كيف جعل هذه الجملة الثانية سواء كانت خبرا أو إعادة - عقوبة لانصرافهم فعاقبهم عليه بصرف آخر غير الصرف الأول . فإن انصرافهم كان لعدم إرادته سبحانه ومشيئته لا قبالهم لأنه لا صلاحية فيهم ولا قبول ، فلم ينلهم الإقبال