ابن قيم الجوزية

266

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

للفاعل وصفة للفعل المأمور به . فتأمل هذه النكتة فإنك إذا قلت : اذكر ربك تضرعا فإنك تريد : اذكره متضرعا إليه ، واذكره ذكر تضرع ، فأنت مريد للأمرين معا . ولذلك إذا قلت : ادعه طمعا أي ادعه دعاء طمع وادعه طامعا في فضله ، وكذلك إذا قلت : ادعه رغبة ورهبة ، كقوله تعالى : 21 : 90 إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً كقوله تعالى : يَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وادعه دعاء رغبة ورهبة . فتأمل هذا الباب تجده كذلك ، فأتى فيه المصدر الدال على وصف المأمور به بتلك الصفة ، وعلى تقييد الفاعل بها تقييد صاحب الحال بالحال . ومما يدل على هذا : أنك تجد مثل هذا صالحا وقوعه جوابا لكيف . فإذا قيل : كيف ادعوه ؟ قيل : تضرعا وخفية ، وتجد اقتضاء « كيف » لهذا أشد من اقتضاء « لم » ولو كان مفعولا له لكان جوابا للم ، ولا تحسن هنا . ألا ترى أن المعنى ليس عليه . فإنه يصح أن يقال لم أدعوه ؟ فيقول تضرعا وخفية . وهذا واضح ، ولا هو انتصاب على المصدر المبين للنوع الذي لا يتقيد به الفاعل لما ذكرناه من صلاحيته جوابا لكيف . وبالجملة فالمصدرية في هذا الباب لا تنافي الحال ، بل الإتيان بالحال هاهنا بلفظ المصدر يفيد ما يفيده المصدر مع زيادة فائدة الحال ، فهو أتم معنى ولا تنافي بينهما . واللّه أعلم . فصل قول اللّه تعالى : 7 : 56 إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . فيه تنبيه ظاهر على أن فعل هذا المأمور به هو الإحسان المطلوب منكم ، ومطلوبكم أنتم من اللّه هو رحمته القريبة من المحسنين الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه خوفا وطمعا ، فقرب مطلوبكم منكم وهو الرحمة بحسب