ابن قيم الجوزية
264
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة . فإن اللّه أصلح الأرض برسوله ودينه ، وبالأمر بتوحيده ، ونهى عن إفسادها بالشرك به وبمخالفة رسوله . ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد اللّه وعبادته وطاعة رسوله ، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير اللّه ورسوله . ومن تدبر هذا حق التدبر وتأمل أحوال العالم منذ قام إلى الآن وإلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين - وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه وفي حق غيره عموما وخصوصا . ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . فصل [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 56 ] وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) إنما كرر الأمر بالدعاء لما ذكره معه من الخوف والطمع . فأمر أولا بدعائه تضرعا وخفية ، ثم أمر بأن يكون الدعاء أيضا خوفا وطمعا ، وفصل بين الجملتين بجملتين إحداهما خبرية متضمنة للنهي ، وهي قوله إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ والثانية طلبية ، وهي قوله : وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها والجملتان مقررتان مقويتان للجملة الأولى ، مؤكدتان لمضمونها . ثم لما تم تقريرها وبيان ما يضادها ويناقضها أمر بدعائه خوفا وطمعا ، ثم قرر ذلك وأكد مضمونه بجملة خبرية ، وهي قوله : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ فتعلق هذه الجملة بقوله : وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً كتعلق قوله : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ بقوله : ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً . ولما كان قوله تعالى : وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً مشتملا على جميع مقامات الإيمان والإحسان ، وهي الحب والخوف والرجاء ، عقبها بقوله :