ابن قيم الجوزية
260
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
اللّه بحبه وإرادته ولهذا قال بعض السلف من عبد اللّه بالحب وحده فهو زنديق ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري . ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ . ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن . وقد جمع تعالى هذه المقامات الثلاث بقوله : 17 : 57 أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ فابتغاء الوسيلة هو محبته الداعية إلى التقرب إليه . ثم ذكر بعدها الرجاء والخوف . فهذه طريقة عباده وأوليائه . وربما آل الأمر بمن عبده بالحب المجرد إلى استحلال المحرمات ، ويقول : المحب لا يضره ذنب وقد صنف بعضهم في ذلك مصنفا وذكر فيه أثرا مكذوبا « إذا أحب اللّه العبد لم تضره الذنوب » وهذا كذب قطعا مناف للإسلام . فالذنوب تضر بالذات لكل أحد كضرر السم للبدن . ولو قدر أن هذا الكلام صح عن بعض الشيوخ . وأما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فمعاذ اللّه من ذلك - فله محمل ، وهو أنه إذا أحبه لم يدعه حبه إياه إلى أن يصر على ذنب . لأن الإصرار على الذنب مناف لكونه محبا للّه ، وإذا لم يصر على الذنب بل بادر إلى التوبة النصوح منه ، فإنه يمحى أثره ولا يضره الذنب . وكلما أذنب وتاب وأناب إلى اللّه زال عنه أثر الذنب وضرره ، فهذا المعنى صحيح . والمقصود أن تجريد الحب والذكر عن الخوف يوقع في هذه المعاطب ، فإذا اقترن بالخوف جمعه على الطريق ورده إليها كلما شرد ، فكأن الخوف سوط يضرب به مطيته لئلا تخرج عن الدرب والرجاء حاد يحدوها يطيب لها السير ، والحب قائدها وزمامها الذي يسوقها . فإذا لم يكن للمطية سوط ولا عصا تردها إذا حادت عن الطريق ، وتركت تركب تعاسيف خرجت عن الطريق وضلت عنها ، فما حفظت حدود اللّه ومحارمه . وما وصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه ومحبته ، فمتى خلا القلب عن