ابن قيم الجوزية
254
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
وهذا التقرير نافع في مسألة الصلاة ، وأنها : هل نقلت عن مسماها في اللغة ، فصارت حقيقة شرعية منقولة استعملت في هذه العبادة مجازا ، للعلاقة بينها وبين المسمي اللغوي ، أو هي باقية على الوضع اللغوي وضم إليها أركان وشرائع ؟ . وعلى ما قررناه : لا حاجة إلى شيء من ذلك . فإن المصلي من أول صلاته إلى آخرها لا ينفك عن دعاء ، إما دعاء عبادة وثناء ، أو دعاء طلب ومسألة ، وهو في الحالين داع . فما خرجت الصلاة عن حقيقة الدعاء ، فتأمله إذا عرفت هذا . فقوله تعالى : ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً يتناول نوعي الدعاء ولكنه ظاهر في دعاء المسألة متضمن دعاء العبادة . ولهذا أمر بإخفائه وإسراره قال الحسن : بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا . ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء ، وما يسمع لهم صوت ، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم . وذلك أن اللّه تعالى يقول : ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً وأن اللّه ذكر عبدا صالحا ورضي بفعله ، وقال : إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا . وفي إخفاء الدعاء فوائد عديدة . أحدها : أنه أعظم إيمانا ، لأن صاحبه يعلم أن اللّه يسمع دعاءه الخفي . وليس كالذي قال : إن اللّه يسمع إن جهرنا ، ولا يسمع إن أخفينا وثانيها : أنه أعظم في الأدب والتعظيم . ولهذا لا تخاطب الملوك ولا تسأل برفع الأصوات ، وإنما تخفض عندهم الأصوات ، ويخف عندهم الكلام بمقدار ما يسمعونه ومن رفع صوته لديهم مقتوه ، وللّه المثل الأعلى . فإذا كان ربنا يسمع الدعاء الخفي فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت به .