ابن قيم الجوزية
251
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأصنامهم وآلهتهم فالمراد به دعاء العبادة ، المتضمن دعاء المسألة . فهو في دعاء العبادة أظهر لوجوه ثلاثة : أحدها : أنهم قالوا 39 : 3 ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى فاعترفوا بأن دعاءهم إياهم هو عبادتهم لهم . والثاني : أن اللّه تعالى فسّر هذا الدعاء في موضع آخر بأنه العبادة . كقوله 26 : 92 - 93 وَقِيلَ لَهُمْ : أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ وقوله : 21 : 98 إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ وقوله : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وهو كثير في القرآن . فدعاؤهم لآلهتهم وعبادتهم لها . الثالث : أنهم إنما كانوا يعبدونها يتقربون بها إلى اللّه . فإذا جاءتهم الحاجات والكربات والشدائد دعوا اللّه وحده وتركوها . ومع هذا فكانوا يسألونها بعض حوائجهم ويطلبون منها ، وكان دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة . وقوله تعالى : 40 : 14 فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ هو دعاء العبادة . والمعنى : اعبدوه وحده وأخلصوا عبادته ، لا تعبدوا معه غيره . وأما قول إبراهيم الخليل عليه السلام : 14 : 39 إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ فالمراد بالسمع هنا : السمع الخاص ، وهو سمع الإجابة والقبول ، لا السمع العام . لأنه سميع لكل مسموع . وإذا كان كذلك فالدعاء هنا يتناول دعاء الثناء ودعاء الطلب . وسمع الرب تبارك وتعالى له إثابته على الثناء ، وإجابته للطلب . فهو سميع لهذا ولهذا . وأما قول زكريا عليه السلام : 19 : 4 وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا