ابن قيم الجوزية

195

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

فإن قلت : قد فهمت الاستدلال بكلماته ، والاستدلال بمخلوقاته ، فبين لي كيفية الاستدلال بأسمائه وصفاته . فإن ذلك أمر لا عهد لنا به في تخاطبنا وكتبنا . قلت : أجل ، وهو لعمر اللّه كما ذكرت ، وشأنه أجل وأعلى . فإن الرب تعالى هو المدلول عليه وآياته هي الدليل والبرهان . فاعلم أن اللّه سبحانه - في الحقيقة - هو الدال على نفسه بآياته . فهو الدليل لعباده في الحقيقة بما نصبه لهم من الدلالات والآيات . وقد أودع في الفطر التي لم تتنجس بالتقليد والتعطيل والجحود : أنه سبحانه الكامل في أسمائه وصفاته ، وأنه الموصوف بكل كمال ، المنزه عن كل عيب ونقص . فالكمال كله والجلال ، والبهاء والعزة والعظمة والكبرياء : كله من لوازم ذاته ، يستحيل أن يكون على غيره ذلك . فالحياة كلها له ، والعلم كله له ، والقدرة كلها له ، والسمع ، والبصر والإرادة ، والمشيئة والرحمة ، والغناء والجود ، والإحسان والبر : كله خاص له ، قائم به . وما خفي على الخلق من كماله أعظم وأعظم مما عرفوه منه ، بل لا نسبة لما عرفوه من ذلك إلى ما لم يعرفوه . ومن كماله المقدس : اطلاعه على كل شيء ، وشهادته عليه . بحيث لا يغيب عنه وجه من وجوه تفاصيله ، ولا ذرة من ذراته باطنا وظاهرا . ومن هذا شأنه ، كيف يليق بالعباد أن يشركوا به غيره ، وأن يعبدوا معه غيره ، ويجعلوا معه إلها آخر ؟ وكيف يليق بكماله أن يقرّ من يكذب عليه أعظم الكذب ، ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه ، ثم ينصره على ذلك ، ويؤيده ويعلي كلمته ، ويرفع شأنه ويجيب دعوته ، ويهلك عدوه ، ويظهر على يديه من الآيات والبراهين ما يعجز عن مثله قوى البشر ؟ وهو مع ذلك كاذب عليه مفتر ، ساع في الأرض بالفساد . ومعلوم أن شهادته سبحانه على كل شيء ، وقدرته على كل شيء ،