ابن قيم الجوزية

192

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

وتنزل من عنده به ، وأن العمل الصالح يصعد إليه ، وأنه يأتي ويجيء ، ويتكلم ويرضى ويغضب ويحب وينادي ، ويفرح ويضحك ، وأنه يسمع ويبصر ، وأنه يراه المؤمنون بأبصارهم يوم لقائه - إلى غير ذلك مما شهد به لنفسه ، وشهد له به رسله ، وشهدت له الجهمية بضد ذلك ، وقالوا شهادتنا أصح وأعدل من شهادة النصوص ، فإن النصوص تضمنت كتمان الحق ، وإظهار خلافه . فشهادة الرب تعالى تكذب هؤلاء أشد التكذيب ، وتتضمن أن الذي شهد به بيّنه وأوضحه وأظهره ، حتى جعله في أعلى مراتب الظهور والبيان ، وأنه لو كان الحق فيما يقوله المعطلة والجهمية لم يكن العباد قد انتفعوا بما شهد به سبحانه . فإن الحق الذي هو في نفس الأمر عندهم لم يشهد اللّه به لنفسه ، ولم يظهره ولم يوضحه . فليس بحق ، ولا يجوز أن يستفاد منه الحق واليقين . وأما آياته العيانية الخلقية والنظر فيها ، والاستدلال بها . فإنها تدل على ما تدل عليه آياته القولية السمعية . وآيات الرب : هي دلائله وبراهينه التي بها تعرف لعباده . فيها يعرفون أسماءه وصفاته ، وتوحيده وأمره ونهيه . فالرسل تخبر عنه بكلامه الذي تكلم به ، وهو آياته القولية ، ويستدلون على ذلك بمفعولاته التي تشهد على صحة ذلك ، وهي آياته العيانية . والعقل يجمع بين هذه وهذه . فيجزم بصحة ما جاءت به الرسل ، فتنفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة . وهو سبحانه لكمال عدله ورحمته وإحسانه وحكمته ومحبته للعذر ، وإقامته للحجة - لم يبعث نبيا من الأنبياء إلا ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به . قال تعالى : 57 : 35 لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ ، وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وقال تعالى : 16 : 43 ، 44 وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ، فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ، بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وقال تعالى : 3 : 183 قُلْ : قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي