ابن قيم الجوزية
188
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
فالتوحيد يتضمن ثبوت صفات كماله ، ونعوت جلاله ، وعدم المماثل له فيها ، وعبادته وحده لا شريك له . والعدل يتضمن وضعه الأشياء موضعها ، وتنزيلها منازلها ، وأنه لم يخص شيئا منها إلا بمخصص اقتضى ذلك ، وأنه لا يعاقب من لا يستحق العقوبة ، ولا يمنع من يستحق العطاء ، وان كان هو الذي جعله مستحقا . والعزة تتضمن كمال قدرته ، وقوته وقهره . والحكمة تتضمن كمال علمه وخبرته ، وأنه أمر ونهي ، وخلق وقدر ، لما له في ذلك من الحكم والغايات الحميدة التي يستحق عليها كمال الحمد . فاسمه « العزيز » يتضمن الملك . واسمه « الحكيم » يتضمن الحمد . وأول الآية يتضمن التوحيد ، وذلك حقيقة « لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له . له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير » . وذلك أفضل ما قاله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والنبيون من قبله . و « الحكيم » الذي إذا أمر بأمر كان المأمور به حسنا في نفسه ، وإذا نهى عن شيء كان المنهي عنه قبيحا في نفسه ، وإذا أخبر بخبر كان صدقا ، وإذا فعل فعلا كان صوابا . وإذا أراد شيئا كان أولى بالإرادة من غيره . وهذا الوصف على الكمال : لا يكون إلا للّه وحده . فتضمنت هذه الآية وهذه الشهادة وحدانيته المنافية للشرك ، وعدله المنافي للظلم ، وعزته المنافية للعجز ، وحكمته المنافية للجهل والعيب . ففيها : الشهادة له بالتوحيد والعدل والقوة ، والعلم والحكمة ، ولهذا كانت أعظم شهادة . ولا يقوم بهذه الشهادة على وجهها من جميع الطوائف . إلا أهل السنة ، وسائر طوائف أهل البدع لا يقومون بها .