ابن قيم الجوزية

182

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ والقرآن كله شاهد بذلك . ووجه استلزام شهادته سبحانه لذلك : أنه إذا شهد : « أنه لا إله إلا هو » فقد أخبر ، وبين ، وأعلم وحكم وقضى : أن ما سواه ليس بإله ، وأن إلهية ما سواه أبطل الباطل ، وإثباتها أظلم الظلم . فلا يستحق العبادة سواه ، كما لا تصلح الإلهية لغيره . وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلها ، والنهي عن اتخاذ غيره معه إلها . وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات ، كما إذا رأيت رجلا يستفتي ، أو يستشهد ، أو يستطب من ليس أهلا لذلك ، ويدع من هو أهل ، فتقول له : هذا ليس بمفت ، ولا شاهد ، ولا طبيب ، المفتي فلان ، والشاهد فلان ، والطبيب فلان . فإن هذا أمر منك ونهي . وأيضا فإن الآية دلت أنه وحده هو المستحق للعبادة . فإذا أخبر أنه وحده المستحق للعبادة تضمن هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحقه الرب تعالى عليهم ، وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم . فإذا شهد سبحانه أنه لا إله إلا هو تضمنت شهادته الأمر والإلزام بتوحيده . وأيضا : فلفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجمل الخبرية ، ويقال للجمل الخبرية : قضية وحكم وقد حكم فيها بكيت وكيت . قال تعالى : 37 : 151 - 154 أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ : وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ . أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ؟ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ؟ لكن هذا حكم لا إلزام معه ، والحكم والقضاء بأنه لا إله إلا هو : متضمن للإلزام . واللّه سبحانه أعلم . فصل وقوله تعالى : قائِماً بِالْقِسْطِ . « القسط » هو العدل . فشهد سبحانه أنه قائم بالعدل في توحيده ، وبالوحدانية في عدله . والتوحيد والعدل : هما جماع صفات الكمال . فإن التوحيد يتضمن تفرده سبحانه بالكمال والجلال ، والمجد والتعظيم الذي لا