ابن قيم الجوزية

159

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

شيئا ورأيت أن سلامك يثقل عليه فكنّ سلامك عنه ، وكانوا يقولون : إذا اصطنعتم صنيعة فانسوها وإذا أسدى إليكم صنيعة فلا تنسوها ، وفي ذلك قيل : وإنّ امرأ أهدى إلى صنيعة * وذكرنيها مرة لبخيل وقيل : صفوان من منح سائله ومنّ ، ومن منع نائله وضن ، وحظر اللّه على عباده المن بالصنيعة واختص به صفة لنفسه لأنه من العباد تكدير وتعيير ، ومن اللّه سبحانه وتعالى إفضال وتذكير . وأيضا فإنه هو المنعم في نفس الأمر ، والعباد وسائط فهو المنعم على عبده في الحقيقة ، وأيضا فالامتنان استعباد ، وكسر ، وإذلال لمن يمن عليه ولا تصلح العبودية والذل إلا للّه . وأيضا فالمنة أن يشهد المعطي أنه هو رب الفضل ، والإنعام ، وأنه ولي النعمة ، ومسديها ، وليس ذلك في الحقيقة إلا للّه ، وأيضا فالمانّ بعطائه يشهد نفسه مترفعا على الآخذ مستعليا عليه غنيا عنه عزيزا ، ويشهد ذل الآخذ وحاجته إليه وفاقته ولا ينبغي ذلك للعبد ، وأيضا فإن المعطي قد تولى اللّه ثوابه ورد عليه أضعاف ما أعطى فبقي عوض ما أعطى عند اللّه . فأي حق بقي له قبل الآخذ ؟ فإذا امتن عليه فقد ظلمه ظلما بينا ، وادعى أن حقه في قبله . ومن هنا واللّه أعلم بطلت صدقته بالمن فإنه لما كانت معاوضته ومعاملته مع اللّه وعوض تلك الصدقة عنده فلم يرض به ، ولاحظ العوض من الآخذ والمعاملة عنده فمن عليه بما أعطاه بطلت معاوضته مع اللّه ومعاملته له ، فتأمل هذه النصائح من اللّه لعباده ودلالته على ربوبيته ، وإلهيته وحده ، وأنه يبطل عمل من نازعه في شيء من ربوبيته ، وإلهيته لا إله غيره ، ولا رب سواه . ونبه بقوله : ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً على أن المن والأذى ولو تراخى عن الصدقة وطال زمنه ضر بصاحبه ، ولم يحصل له مقصود