ابن قيم الجوزية
148
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
توافيه المضرة من جانب المسرّة ، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة ، لعدم علمه بالعواقب . فإن اللّه يعلم منها ما لا يعلمه العبد - أوجب ذلك للعبد أمورا - . منها : أنه لا أنفع له من امتثال أمر ربه ، وإن شق عليه في الابتداء . لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات . ولذات وأفراح ، وإن كرهته نفسه ، فهو خير لها وأنفع . وكذلك لا شيء أضر عليه من ارتكاب المنهي ، وإن هويته نفسه ، ومالت إليه . وأن عواقبه كلها آلام وأحزان ، وشرور ومصائب . وخاصة العاقل تحمّل الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة ، والخير الكثير ، واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبها من الألم العظيم والشر الطويل . فنظر الجاهل لا يجاوز المبادئ إلى غاياتها ، والعاقل الكيّس دائما ينظر إلى الغايات من وراء ستور مباديها . فيرى ما وراء تلك الستور من الغايات المحمودة والمذمومة . فيرى المناهي كطعام لذيذ قد خلط فيه سم قاتل . فكلما دعته لذته إلى تناوله نهاه عنه ما فيه من السم . ويرى الأوامر كدواء مرّ المذاق ، مفض إلى العافية والشفاء ، وكلما نهاه مرارة مذاقه عن تناوله أمره نفعه بالتناول ، ولكن هذا يحتاج إلى فضل علم ، تدرك به الغايات من مبادئها وقوة صبر يوطن به نفسه على تحمل مشقة الطريق ، لما يؤمل عند الغاية من حسن العاقبة . فإذا فقد اليقين والصبر تعذر عليه ذلك . وإذا قوى يقينه هان عليه كل مشقة يتحملها في طلب الخير الدائم واللذة الدائمة - . ومن أسرار هذه الآية : أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور ، والرضا بما يختاره له ويقتضيه له ، لما يرجو من حسن العاقبة . ومنها : أنه لا يقترح على ربه ، ولا يختار عليه ، ولا يسأله ما ليس له به علم . فلعل مضرته وهلاكه فيه . وهو لا يعلم . فلا يختار على ربه شيئا ، بل يسأله حسن الاختيار له ، وأن يرضيه بما يختاره . فلا أنفع له من ذلك . ومنها : أنه إذا فوض إلى ربه ورضي بما يختاره له أمده فيما يختاره له