ابن قيم الجوزية

145

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

قال سيبويه : المعنى : ومثلك يا محمد ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به . وعلى قوله : فيكون المعنى : مثل الذين كفروا وداعيهم كمثل الغنم والناعق بها . ولك أن تجعل هذا من التشبيه المركب ، وأن تجعله من التشبيه المفرق . فإن جعلته من المركب كان تشبيها للكفار - في عدم فقههم وانتفاعهم - بالغنم التي ينعق بها الراعي ، فلا تفقه من قوله شيئا غير الصوت المجرد ، الذي هو الدعاء والنداء . وإن جعلته من التشبيه المفرق ، فالذين كفروا بمنزلة البهائم ، ودعاء داعيهم إلى الطريق والهدى بمنزلة البهائم التي ينعق بها ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النعق ، وإدراكهم مجرد الدعاء والنداء كإدراك البهائم مجرد صوت الناعق . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 179 ] وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 179 ) في ضمن هذا الخطاب : ما هو كالجواب لسؤال مقدر : إن في إعدام هذه البنية الشريفة ، وإيلام هذه النفس وإعدامها في عدم مقابلة إعدام المقتول تكثير لمفسدة القتل ، فلأيّة حكمة صدر هذا ممن وسعت رحمته كل شيء ، وبهرت حكمته العقول ؟ فتضمن الخطاب جواب ذلك بقوله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ . وذلك لأن القاتل إذا توهم أنه يقتل قصاصا بمن قتله كفّ عن القتل وارتدع ، وآثر حب حياته ونفسه . فكان فيه حياة له ولمن أراد قتله . ومن وجه آخر : وهو أنهم كانوا إذا قتل الرجل من عشيرتهم وقبيلتهم