ابن قيم الجوزية
139
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
القائل : قلبي غلاف ، وقلوب المؤمنين العالمين غلف ، أي أوعية للعلم . والغلاف قد يكون وعاء للجيد والرديء . فلا يلزم من كون القلب غلافا أن يكون داخله العلم والحكمة . وهذا ظاهر جدا . فإن قيل : فالإضراب : « بل » على هذا القول الذي قويتموه ، ما معناه ؟ . أما على القول الآخر فظاهر ، أي ليست قلوبكم محلا للعلم والحكمة ، بل مطبوع عليها . قيل : وجه الإضراب في غاية الظهور . وهو انهم احتجوا بأن اللّه لم يفتح لهم الطريق إلى فهم ما جاء به الرسول ومعرفته ، بل جعل قلوبهم داخلة في غلف فلا تفقهه . فكيف تقوم به عليهم الحجة ؟ وكأنهم ادعوا أنّ قلوبهم خلقت في غلف ، فهم معذورون في عدم الإيمان . فأكذبهم اللّه وقال : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ وفي الآية الأخرى : 4 : 154 بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فأخبر سبحانه أن الطبع والإبعاد عن توفيقه وفضله إنما كان بكفرهم الذي اختاروه لأنفسهم ، وآثروه على الإيمان . فعاقبهم عليه بالطبع واللعنة . والمعنى : لم يخلق قلوبهم غلفا لا تعي ولا تفقه ، ثم أمرهم بالإيمان ، وهم لا يفقهونه ، بل اكتسبوا أعمالا عاقبناهم عليها بالطبع على القلوب والختم عليها . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 94 ] قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 94 ) هذه الآية فيها للناس كلام معروف . قالوا : إنها معجزة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أعجز بها اليهود ، ودعاهم إلى تمني الموت ، وأخبر أنهم لا يتمنونه أبدا . وهذا علم من أعلام نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذ لا