ابن قيم الجوزية
13
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
تعطيل العالم عنه ، كما يستحيل تعطيله عن الصانع . فمن أنكر الرسول فقد أنكر المرسل . ولم يؤمن به ، ولهذا جعل سبحانه الكفر برسله كفرا به . الموضع السادس : من قوله اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فالهداية : هي البيان والدلالة ، ثم التوفيق والإلهام ، وهو بعد البيان والدلالة . ولا سبيل إلى البيان والدلالة إلا من جهة الرسل . فإذا حصل البيان والدلالة والتعريف ترتب عليه هداية التوفيق . وجعل الإيمان في القلب وتحبيبه إلى ، وتزيينه في قلبه ، وجعله مؤثرا له ، راضيا به ، راغبا فيه . هما هدايتان مستقلتان ، لا يحصل الفلاح إلا بهما . وهما متضمنتان تعريف ما لم نعلمه من الحق تفصيلا وإجمالا ، وإلهامنا له ، وجعلنا مريدين لاتباعه ظاهرا وباطنا . ثم خلق القدرة لنا على القيام لنا على القيام بموجب الهدى بالقول والعمل والعزم . ثم إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة . ومن هاهنا يعلم اضطرار العبد إلى سؤال هذه الدعوة فوق كل ضرورة ، وبطلان قول من يقول : إذا كنا مهتدين ، فكيف نسأل الهداية ؟ فإن المجهول لنا ، من الحق أضعاف المعلوم . وما لا نريد فعله تهاونا وكسلا مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه ، وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك . وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله ، فأمر يفوته الحصر . ونحن محتاجون إلى الهداية التامة . فمن كملت له هذه الأمور كان سؤال الهداية له سؤال التثبيت والدوام . وللهداية مرتبة أخرى - وهي آخر مراتبها - وهي الهداية يوم القيامة إلى طريق الجنة . وهو الصراط الموصل إليها . فمن هدى في هذه الدار إلى صراط اللّه المستقيم الذي أرسل به رسله ، وأنزل به كتبه ، هدي هناك إلى الصراط المستقيم ، الموصل إلى جنته ودار ثوابه . وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه اللّه لعباده في هذه الدار ، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم . وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط . فمنهم من يمر كالبرق ، ومنهم من يمر كالطّرف ،