ابن قيم الجوزية

125

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

وتأمل ذكر الانطلاق واتباعه سبحانه تعالى بعد هذا . وذلك يفتح لك بابا من أسرار التوحيد ، وفهم القرآن ، ومعاملة اللّه سبحانه تعالى لأهل توحيده الذين عبدوه وحده ، ولم يشركوا به شيئا ، هذه المعاملة التي عامل بمقابلتها أهل الشرك حيث ذهبت كل أمة مع معبودها ، فانطلق بها واتبعته إلى النار . وانطلق المعبود الحق واتبعه أولياؤه وعابدوه . فسبحان اللّه رب العالمين . قرت عيون أهل التوحيد في الدنيا والآخرة ، وفارقوا الناس فيه أحوج ما كانوا إليهم . ومنها : أن المثل الأول متضمن لحصول الظلمة ، التي هي الضلال والحيرة التي سدها الهدى . والمثل الثاني : متضمن لحصول الخوف الذي ضده الأمن . فلا أمن ولا هدى : 6 : 82 الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ . قال ابن عباس وغيره من السلف : مثل هؤلاء في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة فاستضاء ورأى ما حوله ، فاتقى ما يخاف ، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره ، فبقي في ظلمته خائفا متحيرا . كذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم وأولادهم ، وناكحوا المؤمنين ووارثوهم ، وقاسموهم الغنائم . فذلك نورهم . فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف . قال مجاهد : إضاءة النور لهم : إقبالهم إلى المسلمين والهدى ، وذهاب نورهم : إقبالهم إلى المشركين والضلالة . وقد فسرت تلك الإضاءة وذهاب النور : بأنها في الدنيا ، وفسرت بأنها في البرزخ وفسرت بيوم القيامة . والصواب : أن ذلك شأنهم في الدور الثلاثة ، فإنهم لما كانوا كذلك في الدنيا جوزوا في البرزخ وفي القيامة بمثل حالهم ، جزاء وفاقا وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فإن المعاد يعود إلى العبد فيه ما كان حاصلا منه في الدنيا . ولهذا يسمى يوم الجزاء 17 : 72 وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا 19 : 76 وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً ومن كان