ابن قيم الجوزية
118
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
فذهاب اللّه بذلك النور هو انقطاع المعية التي خصّ بها أولياءه ، فقطعها بينه وبين المنافقين ، فلم يبق عندهم بعد ذهاب نورهم ولا معهم ، فليس لهم نصيب من قوله : 9 : 40 لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ولا من 26 : 63 كَلَّا ، إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ . وتأمل قوله تعالى : أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ كيف جعل ضوءها خارجا عنه منفصلا ؟ ولو اتصل ضوؤها به ولابسه لم يذهب ، ولكنه كان ضوء مجاورة ، لا ملابسة ومخالطة . وكان الضوء عارضا والظلمة أصلية . فرجع الضوء إلى معدنه وبقيت الظلمة في معدنها . فرجع كل منهما إلى أصله اللائق به ، حجة من اللّه تعالى قائمة . وحكمة بالغة ، تعرّف بها إلى أولي الألباب من عباده . وتأمل قوله : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ولم يقل بنارهم . ليطابق أول الآية . فإن النار فيها إشراق وإحراق . فذهب بما فيها من الإشراق - وهو النور - وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق ، وهو النارية وتأمل كيف قال : « بنورهم » ولم يقل بضوئهم ، مع قوله : فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ لأن الضوء هو زيادة في النور . فلو قال : ذهب اللّه بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة فقط ، دون الأصل . فلما كان النور أصل الضوء كان الذهاب به ذهابا بالشيء وزيادته . وأيضا فإنه أبلغ في النفي عنهم ، وأنهم من أهل الظلمات ، الذين لا نور لهم . وأيضا فإن اللّه تعالى سمّى كتابه نورا ، ورسوله نورا ، ودينه نورا ، ومن أسمائه النور ، والصلاة نور ، فذهابه سبحانه بنورهم : ذهاب بهذا كله . وتأمل مطابقة هذا المثل لما تقدمه من قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ كيف طابق بين هذه