السيد حيدر الآملي
53
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
كلاب . ويجوز ان يكون ذلك إرشادا للسّالك برجوعه إلى الفناء الأصلي والعدم الجبلي قهقهرا ، المسمّى : بالتراب الّذي هو منه بحسب الظاهر والبدن ، وبالماء الّذي هو أصله أيضا بوجه آخر ، أما التراب فلقوله : خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ * [ الرّوم : 20 ] . وأمّا العدم فلقوله : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً [ مريم : 9 ] . أعني إن لم يتمكّن السالك من استعمال الماء الحقيقي وتحصيله لطهارة الباطن من الأحداث العارضة عليه ، فليرجع إليه وإلى خلقته الترابيّة الّتي هي أرذل الأشياء ، وأخسّها ، ليحصل له بذلك الكسر التّامّ والمذلّة الكلّيّة ، ويصل بها إلى مقام الفقر والانكسار الموجبان للدخول إلى حضرة العزّة المعبّرة عنها بالجنّة لقوله : « أنا عند المنكسرة قلوبهم » « 28 » .
--> ( 28 ) قوله : أنا عند المنكسرة قلوبهم . رواه المجلسي في البحار ج 73 ، ص 157 ، الحديث 3 ، عن « دعوات » الراوندي عن النبيّ صلى اللّه عليه واله : سئل أين اللّه ؟ فقال : « عند المنكسرة قلوبهم » . وروى الأنصاري في تفسيره « كشف الأسرار وعدّة الأبرار » ج 1 ص 135 وقال : قال تعالى لبعض أنبياءه : « أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي » . وذكر مثله أيضا صدر المتألهين الشيرازي في تفسيره ج 1 ص 37 ، نقلا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه واله .