السيد حيدر الآملي

39

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

وهذا الغسل لا يمكن إلّا بفناء العارف في المعروف ، والشاهد في المشهود المعبّر عنه بالفناء في التوحيد ، وذلك يكون بمشاهدة الحقّ من حيث هو هو ، أعني يشاهده بحيث لا يشاهد معه غيره ، أعني لا يشاهد في الوجود إلّا وجودا واحدا ، وذاتا واحدة مجّردة عن جميع الاعتبارات والتّعينات ، وإليه أشار الحقّ تعالى في قوله : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ القصص : 88 ] . وكذلك في قوله : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [ الرحمن : 26 - 27 ] . وقد مرّ تحقيق هاتين الآيتين غير مرّة والتكرار غير مستحسن . وحيث تقرّر هذا التّوحيد ، هو الصّراط المستقيم الحقيقي ، المأمور بالاستقامة عليه نبيّنا صلى اللّه عليه واله : وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [ هود : 112 ] . والحدّ الأوسط المشار إليه في قوله : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ الانعام : 153 ] . وتقرّر أنّ له طرفان : طرف إفراط ، وطرف تفريط ، اللّذان هما التّوحيد الإجمالي ، والتوحيد التّفصيلي .

--> « إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النّور فتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك » .