السيد حيدر الآملي

318

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

والمعتزلة مشبهة الأفعال ، والمشبّهة حلوليّة الصفات ، وكلّ وحد منهم أعور بأيّ عينيه شاء ، فإنّ من قال : إنّما يحسن منه ما يحسن منّا ويقبح منه ما يقبح منّا فقد شبّه الخالق بالخلق . ومن قال : يوصف الباري تعالى بما يوصف به الخلق أو يوصف الخلق بما يوصف به الباري عزّ اسمه فقد اعتزل عن الحقّ ، وسنح القدريّة طلب العلّة في كلّ شيء ، وذاك من سنح اللعين الأوّل ؛ إذ طلب العلّة في الخلق أوّلا ، والحكمة في التكليف ثانيا ، والفائدة في تكليف سجوده ( السجود ) لآدم عليه السّلام ثالثا ، وعنه نشأت مذاهب الخوارج ، إذ لا فرق بينهم في قولهم : « لا حكم إلّا للّه ، ولا يحكم الرجال » وبين قوله : لا أسجد إلّا لك ، قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ [ الحجر : 33 ] . وبالجملة « كلا طرفي قصد الأمور ذميم » . فالمعتزلة غلوا في التوحيد حتّى وصلوا إلى التعطيل بنفي الصفات ، والمشبّهة قصّروا حتّى وصفوا الخالق بصفات الأجسام ، والروافض غلوا في النبوّة والإمامة حتّى وصلوا إلى الحلول ، والخوارج قصروا حين نفوا تحكيم الرجال . وأنت ترى أنّ هذه الشبهات كلّها ناشئة من شبهات اللعين الأوّل ، وتلك في الأوّل مصدرها وهذه في الأخير هو مظهرها وإليه أشار التنزيل في قوله تعالى : وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * [ البقرة : 168 ] . وشبّه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم كلّ فرقة ضالّة من هذه الامّة بأمّة ضالّة من الأمم