السيد حيدر الآملي
31
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
« المحجوب محجوب سواء كان بحجاب أو ألف حجاب » . وترتيب هذا الغسل وهو أن يغسل السّالك أوّلا رأسه الحقيقي - الّذي هو القلب هاهنا - بماء العلم الحقيقي النازل من بحر القدس ، من حدث الأهواء المختلفة ، والآراء المتشتّتة المتعلّقة بالدّنيا وبمحبّتها الموجبة للدّخول في الهاوية الّتي هي النّار لأنّ الهوى إذا أغلب انجذب صاحبه إلى عبادة الأصنام والأوثان الباطلة ذهنا كان أو خارجا ، أمّا الخارج فهو معلوم ، وأمّا الدّاخل فذلك أيضا قد سبق بحكم قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [ الجاثية : 23 ] . وكلّ من أطاع لهواه لا بدّ وأن يدخل النار لقوله تعالى أيضا : وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ [ القارعة : 7 - 8 ] . أي من خفّت موازينه من العلم والعمل الصّالح الصّادران من العقل الصحيح والنفس الكامل ، فهو في الهاوية الّتي هي أصلها وأمّها ، لأنّ منشأ الهوى من النّفس الأمّارة ، والنّفس الأمّارة منشأها ومنبعها الطبيعة الحيوانيّة ، والقوى الشهويّة والغضبية اللّتان هما من جنودها وأعوانها ، كذلك صادران من الطبيعة والنّفس ، فلا يكون الهاوية في الحقيقة إلّا التوجّه إلى النّفس ، الأمّارة والشّهوة والغضب ، وأسفل سافلين إشارة إليها في قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [ التين : 5 ] . أي رددناه بأفعاله إلى أسفل عالم الطبيعة والنّفس الأمّارة بمتابعة الهوى ومخالفة الحقّ في أفعاله وأقواله ، لقول أهل النّار فيه : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ [ الملك : 10 ] .