السيد حيدر الآملي
200
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ النور : 14 - 18 ] . واللّه ثمّ واللّه ، لو لم يكن في هذا الباب في القرآن إلّا هذه الآيات ، لكفى جزما بالسكوت عن فضول الكلام ، وعن الّذي ليس لصاحبه به علم ، ومع ذلك كلّه كلّ من يعتقد أنّ عليه ملكان موكّلان وكّلهما اللّه تعالى ليكتبا كلّما صدر منه خيرا كان أو شرّا ، ما تكلّم إلّا بقدر الضرورة ، ولا نطق بشيء غير الخير ، والشاهد على هذا قوله جلّ ذكره : إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ [ ق : 17 ] . وإذا عرفت هذا فعليك بحفظ اللسان والسكوت عن فضول الكلام ، فإنّ مضرّته أكثر من منفعته ، وفساده أعظم من فائدته ، وقد عرفت صدق هذا من العقل والنقل ، واللّه أعلم وأحكم وهو يقول الحقّ وهو يهدي السبيل . ( ( في ضرورة إمساك البصر عن المباحات إلّا بقدر الحاجة ) ) فأمّا الإمساك الثاني فإمساك البصر عن مشاهدة المحرّمات والمنهيّات مطلقا ، وعن المحلّلات والمباحات إلّا بقدر الضرورة ، لأنّ الورع والتقوى ليس في الاجتناب والاحتراز عن المحرّمات والمنهيّات