السيد حيدر الآملي

121

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

ذلك من الأسرار ، فلنرجع إلى الغرض ، والبحث الّذي نحن بصدده من بحث الصّلاة وأوضاعها وأعدادها وغير ذلك من الحكمة المترتبة عليها ، وهي هذه : ( وضعت الأصول والفروع لكي يصل الإنسان إلى كماله ) اعلم أنّه قد سبق قبل هذا أنّ هذه الأصول الخمسة والفروع الخمسة بأسرها هي وضع الأنبياء والرّسل بأمر اللّه تعالى وإذنه لتكميل الناقصين ووصولهم إلى كمالهم المعين لهم في العلم الإلهي . وقد سبق أيضا أنّ هذا لم يكن يتيسّر إلّا بتكميل قوّتي العلم والعمل المعبّرة عنهما بالقوّة النظريّة والقوّة العمليّة . وقد سبق أنّ النّاس في وصولهم إلى كمالهم لو كانوا محتاجين إلى أكثر من ذلك لوجب على اللّه تعالى بيانه ، وعلى الأنبياء والرّسل تبيانه ، ولكن لم يكن لهم احتياج إلى غير هذا ، فما أمرهم اللّه تعالى به ، ولا أمر نبيّه أن يأمرهم ، كالطبيب الحاذق الّذي يعطي للمريض الدّواء ، فإنّه الّذي ينبغي لا أزيد ولا أنقص فافهم جدّا . وقد سبق أنّ هذه كلّها ضوابط كلّيّة وقواعد جمليّة مقرّرة بين الأنبياء والرّسل ، لأجل إزالة النقصان من بين الناس وإيصالهم إلى كمالهم ، كالقاعدة المقرّرة بين الأطباء الصوريّة لأجل إزالة الأمراض وإيصال المرض إلى الصّحة ، وما وقع الخلاف بينهم في هذا أصلا إلّا في بعض الفروع في بعض الأزمان لأجل مصلحة تلك الأزمان وأهلها ، الّذي عند التحقيق هو أصل الاتفاق وعين الوفاق ، لقوله تعالى : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء : 82 ] .