السيد حيدر الآملي
98
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
الحقيقة هو الّذي يعبد اللّه ولذلك خلق » كما قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] . وكما قال تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ [ البيّنة : 5 ] . وكلّ من ( فكلّ ما ) أوجد لفعل فمتى لم يوجد منه ذلك الفعل كان في حكم المعدوم ، ولذلك كثيرا ما يسلب عن الشيء اسمه إذا وجد فعله ناقصا لقولهم للفرس الرديء : ليس هذا بفرس ، وللإنسان الرذل : ليس هو بإنسان ، ويقال : فلان لا عين له ولا أذن إذا بطل فعل عينه وأذنه وإن كان شبحهما باقيا ، وعلى هذا قال تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ البقرة : 171 ] . فيمن لم ينتفع بهذه الأعضاء . فالإنسان يحصل له من الإنسانيّة بقدر ما يحصل له من العبادة الّتي لأجلها خلق ، فمن قام بالعبادة حق القيام فقد استكمل الإنسانيّة ، ومن رفضها فقد انسلخ من الإنسانيّة ، فصار حيوانا أو دون حيوان ، كما قال في صفة الكفّار . إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [ الفرقان : 44 ] . وقال تعالى : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [ الأنفال : 22 ] . فلم يرض أن جعلهم أنعاما ودوابّ حتّى جعلهم أضلّ منها ، وجعلهم