السيد حيدر الآملي

453

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

--> أقول : الظاهر أنّ الأصل في معنى الخلود هو البقاء الدائميّ الأبدي ، ولكن حيث إنّ الدنيا دار فناء ودوامه يكون بزمان طويل ، استعمل لفظ الخلود في أمور الدنيا والنشأة الطبيعة ، بمعنى المكث الطويل والمدّة الطويلة . قال الراغب : « الخلود تبرّي الشيء من اعتراض الفساد وبقاؤه على الحالة الّتي هو عليها ، وكلّ ما يتباطأ عنه التغيير والفساد تصفه العرب بالخلود . والخلد اسم للجزء الّذي يبقى من الإنسان على حالته فلا يستحيل ما دام الإنسان حيّا استحالة سائر أجزائه ، وأصل المخلّد الّذي يبقى مدّة طويلة . وأمّا معنى الخلود في القرآن فهو أيضا جاء بمعنى الأبد غالبا ، إمّا حقيقة ، وإمّا كناية مع القرنية المتّصلة تصريحا ، كما في قوله تعالى : وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً [ التغابن : 9 ] . وفي قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً [ الأحزاب : 65 و 64 ] . وفي قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [ هود : 107 و 106 ] . وحيث إنّ الدار الآخرة دار حيوان ودار بقاء ، السّماوات والأرض المختصّة لدار الآخرة أيضا باقية وأبديّة . لقوله تعالى : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [ النحل : 96 ] . ومعلوم أنّ السّماوات والأرض في دار الآخرة تكون من سنخها فهي غير السماوات والأرض في هذه النشأة الدنياويّة ، لقوله تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [ إبراهيم : 48 ] .