السيد حيدر الآملي
146
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ [ الحجّ : 18 ] . وكقوله : كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ [ النور : 41 ] . وكقوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : 44 ] . وهذه الأقوال الأربعة دلالات قاطعة على أنّ الكلّ مكلّفين ومأمورين بحسب قابليّتهم واستعدادهم ، لأنّ القول الأوّل يشمل الأرض وأهلها ، والقول الثاني يشمل السّماوات والأرض وما بينهما ، والقول الثالث يشمل الكلّ على التعيين ، والقول الرابع يشمل الكلّ على الإطلاق . فيعلم من هذا أنّ الكلّ متوجّهون إلى اللّه تعالى ، سائرون إليه ، طالبون معرفته وعبادته ، لأنّ السّجدة والصّلاة هاهنا بمعنى العبوديّة والمعرفة ، لا بمعنى السّجدة المتعارفة في الشّرع ، وكذلك التسبيح لأنّ تسبيحهم وصلاتهم لو كان من قسم صلاة الإنسان وتسبيحهم لعرفوها وفهموها لكن لمّا لم يعرفوها بشهادة اللّه لهم في قوله : لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : 44 ] . عرفنا أنّها ليست من تلك الأقسام ، فحينئذ صلاة كلّ موجود وسجدته وتسبيحه يكون مناسبا لحاله ، وعند التحقيق تسبيح كلّ موجود غير الإنسان هو الّذي هو عليه من الأوضاع والأفعال والأخلاق والأحوال ، لقوله تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ [ الإسراء : 84 ] .