السيد حيدر الآملي

139

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

تعالى فيهم : نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [ البقرة : 30 ] . لأنّ هذا كلام صادر من اقتضاء ذواتهم ، ومقتضى مقاماتهم لقولهم : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ الصافات : 164 ] . وذلك المقام ليس إلّا مقام التقديس والتنزيه والتسبيح ، ويدلّ على ذلك كلّه تعليم اللّه لهم في قوله : قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [ البقرة : 32 ] . لأنّ التعليم لا يتيسّر إلّا بالمناسبة بين المعلّم والمتعلم كما قال تعالى لآدم عليه السّلام حيث يشاهد فيه المناسبة العلميّة بينه وبينهم وهو قوله : قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [ البقرة : 33 ] . وإذا عرفت هذا فقس عليه حال الأولياء والأوصياء وأمثالهم فإنّهم يأخذون منه العلوم والحقائق من غير واسطة أحد لقوله تعالى فيهم : آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] . ولقوله في الإنسان : اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [ العلق : 3 - 5 ] . ولقوله فيهم : الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ [ الرحمن : 1 - 3 ] .