السيد حيدر الآملي
575
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ [ سورة التوبة : 25 ] . وكانت المواطن هذه الجملة ، قال : النبيّ ( ص ) غزا سبعا وعشرين غزاة وبعث ستّا وخمسين سريّة . قال المسعودي : نمى « 190 » إلى المتوكّل بعليّ بن محمّد أنّ في منزله سلاحا من شيعته من أهل قم وأنّه عازم على الملك فبعث إليه جماعة من الأتراك فهجموا على داره ( ع ) ليلا فلم يجدوا فيها شيئا ووجدوه في بيت مغلق عليه وهو يقرأ وعليه مدرعة صوف وهو جالس على الرّمل والحصى متوجّها إلى اللّه تعالى فحمل على حالته تلك إلى المتوكّل فأدخل عليه وهو في مجلس الشراب ، والكأس في يد المتوكّل ،
--> ( 190 ) قوله : نمى إلى المتوكل بعلي بن محمد ( ع ) . . . الخ . ذكره المسعودي في كتابه مروج الذهب ج 4 ، ص 11 ، قال فيه : وقد كان سعى بأبي الحسن علي بن محمّد إلى المتوكّل ، وقيل له : إن في منزله سلاحا وكتبا وغيرها من شيعته ، فوجه إليه ليلا من الأتراك وغيرهم من هجم عليه في منزله على غفلة ممن في داره ، فوجده في بيت وحده مغلق عليه ، وعليه مدرعة من شعر ، ولا بساط في البيت إلا الرمل والحصى ، وعلى رأسه ملحفة من الصوف متوجها إلى ربه يترنّم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد ، فأخذ على ما وجد عليه ، وحمل إلى المتوكّل في جوف الليل ، فمثل بين يديه والمتوكل يشرب وفي يده كأس ، فلما رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه ولم يكن في منزله شيء ممّا قيل فيه ، ولا حالة يتعلل عليه بها ، فناوله المتوكّل الكأس الذي في يده ، فقال : يا أمير المؤمنين ! ما خامر لحمي ودمي قط ، فأعفني منه ، فعافاه ، وقال : أنشدني شعرا أستحسنه ، فقال : إني لقليل الرواية للأشعار ، فقال : لا بد أن تنشدني فأنشده : باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرجال فما أغنتهم القلل واستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم * فأودعوا حفرا ، يا بئس ما نزلوا ناداهم صارخ من بعد ما قبروا * أين الأسرة والتيجان والحلل ؟ أين الوجوه التي كانت منعمة * من دونها تضرب الأستار والكلل فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم * تلك الوجوه عليها الدود يقتتل قد طالما أكلوا دهرا وما شربوا * فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا وطالما عمروا دورا لتحصنهم * ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا وطالما كنزوا الأموال وادخروا * فخلفوها إلى الأعداء وارتحلوا أضحت منازلهم قفرا معطلة * وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا قال : فأشفق كل من حضر على علي ، وظن أن بادرة تبدر منه إليه ، قال : واللّه لقد بكى المتوكل بكاء طويلا حتى بلت دموعه لحيته ، وبكى من حضره ، ثم أمر برفع الشراب .