السيد حيدر الآملي
489
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
لأنّ الخيانة في العلوم الّتي هي الأمانات لا تتصوّر بغير هذا لهذا ( . . . ) لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها ، فيظلموها ولا تمنعوها وكونوا كالطبيب الرّفيق يضع الدواء موضع الداء ( . . . ) ومن منح الجهال علما أضاعه ، ومن منع المستوجب ظلمه . وحيث عرفت أنّ هذا نهي عن الخيانة في أماناتهم ، والنّهي لا يكون إلّا عن شيء عظيم الشأن . وبالجملة أحسن شاهد وأعظم دليل على كثرة علومهم ، القرآن الكريم فإنّه شهد بأنّ تأويله حقّ التّأويل لا يعلمه إلّا الرّاسخ في العلوم كلّها ، لقوله : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ( إلى قوله ) وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [ سورة آل عمران : 7 ] . وقد ثبت أنّ الرّسوخ في العلوم ليس إلّا لهم وقد ثبت أنّ القرآن جامع لجميع العلوم ، وثبت أنّ القرآن والاطلاع عليه على ما ينبغي مخصوص بهم ، فتكون علومهم على هذا التّقدير غير قابلة للانتهاء والانقطاع ، لأنّ علوم القرآن كذلك كما ثبت وتقرّر ويشهد بذلك قول سيّدهم وجدّهم : واللّه لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من باء بسم اللّه الرحمن الرحيم . [ راجع التعليقة 92 ] . لأنّ كلّ من يتمكّن أن يفعل هذا في حرف واحد في القرآن فكيف يكون الحال في الحروف كلّها فضلا عن الكلمات والآيات والسّور ، فافهم جيّدا . وحيث تقرّر هذا فنذكر بعض تلك العلوم هاهنا على سبيل النقل منقولا من كلّ واحد واحد منهم لئلّا يتوهّم بعض النّاس أنّ هذا كلام على غير أصل صحيح أو دعوى من غير إثبات ولا برهان . فمنها قول أمير المؤمنين ( ع ) في هذا الباب مخاطبا لكميل بن زياد النخعي رضي اللّه عنه . يا كميل بن زياد هلك خزّان الأموال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي