السيد حيدر الآملي
484
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
فإن كان الأوّل فالمطلوب حاصل ، لأن شهادة اللّه جلّ وعزّ تكفي في كمال علومه وعلوّ شأنه . وإن كان الثّاني بدليل أنّ ذلك الوقت لم يكن القرآن كتابا جامعا بل بعد ما كان نزل بالتّمام لأنّه كان ينزل ( نجوما نجوما ) فذلك أعظم وأعظم ، لأنّ كلّ من يكون له الاطلاع على اللوح المحفوظ فعلى القرآن بطريق أولى ، لأنّ القرآن كان ثابتا في اللّوح المحفوظ قبل النّزول لقوله تعالى : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [ سورة البروج : 21 - 22 ] . وقال بعض علمائنا هاهنا لطيفة دقيقة : وهي أنّ اللّه تعالى أخبر عن آصف بن برخيا وزير سليمان ( ع ) بقوله : عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ [ سورة النمل : 40 ] . وأخبر عن عليّ ( ع ) وزير نبيّنا ( ص ) بقوله : وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ [ سورة الرّعد : 43 ] . وهذان القولان دالّان على أن آصف كان عالما ببعض الكتاب المسمّى باللّوح المحفوظ لأنّ من في الكتاب للتبعيض وأنّ عليّا ( ع ) كان عالما بالكلّ لأنّ الألف واللّام فيه للاستغراق ، وليس هناك مخصّص ، والسرّ في ذلك أنّ الوزير لا بدّ وأن يكون مناسبا للخليفة فنسبة آصف إلى عليّ كنسبة سليمان إلى محمّد ، والفرق ظاهر ، والحقّ أنّها لطيفة شريفة ودقيقة غريبة . ويحكم العقل الصّحيح بأنّ كلّ شخص لا تكون له هذه المرتبة في العلم ، لا تصدر منه تلك الأقوال المذكورة ، ولا يتكلّم بمثل قوله : واللّه لو شئت أن أخبر كلّ رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت ولكنّي أخاف أن تكفروا فيّ برسول اللّه ( ص ) « 139 » . وأمثال ذلك في كلامه كثير يكفي للعاقل المنصف واحدة منها .
--> ( 139 ) قوله : ولا يتكلّم بمثل قوله : واللّه لو شئت أن أخبر الخ . نهج البلاغة . الخطبة 175 صبحي الصالح .