السيد حيدر الآملي

475

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

« أنا أعلمكم باللّه وأخشاكم من اللّه » « 132 » . وإنما كان علمه أكمل وأشرف وأقوى لأنه حصل من التعلم الرباني وما اشتغل قط بالتعلم الإنساني فقال تعالى : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى [ النجم : 5 - 7 ] . ( معنى الإلهام والعلم اللّدني ) والوجه الثاني هو الإلهام وهو تنبيه النفس الكلي للنفس الجزئي الإنساني على قدر صفاته وقبوله وقوته واستعداده ، والإلهام أثر الوحي فإن الوحي تصريح الأمر الغيبي ، والإلهام تعريضه ، والعلم الحاصل من الوحي يسمّى علما نبويّا والذي يتحصّل عن الإلهام يسمّى علما لدنيّا ، والعلم اللدني هو الذي لا واسطة في حصوله بين النفس والباري تعالى ، وإنما هو كالضوء في سراج الغيب يقع على قلب صاف لطيف فارغ ، وذلك أن العلوم كلها موجودة في جوهر النفس الكلي الأزلي الذي هو من الجواهر المفارقة الأولية المحضة ، وهو بالنسبة إلى العقل الأوّل كنسبة حوّاء إلى آدم ، وقد تبين أن العقل الكلي أشرف وأكمل وأقوى وأقرب إلى الباري تعالى من النفس ، والنفس الكلي أعزّ وألطف وأشرف من سائر المخلوقات . فمن إفاضة العقل الكلي يتولّد الوحي ، ومن إشراف النفس الكلي يتولد الإلهام ، والوحي حلية الأنبياء ، والإلهام زينة الأولياء ، وكما أن النفس دون العقل ، والوليّ دون النبيّ ، فكذلك الإلهام دون الوحي ، فهو ضعيف بنسبة الوحي ، قويّ بنسبة الرّؤيا ، والعلم اللّدنّي علم الأنبياء والأولياء ، وأما علم الوحي فخاص بالرّسل ، موقوف عليهم ، كما كان لآدم ( ع ) وإبراهيم وموسى ومحمّد ( ع ) وغيرهم من الرسل .

--> ( 132 ) قوله : وقال ( ص ) لقومه : أنا أعلمكم الحديث . أخرج البخاري في صحيحه ج 8 ، ص 31 بإسناده عن عائشة قالت : صنع النبيّ ( ص ) شيئا فرخّص فيه فتنزّه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبيّ ( ص ) فخطب فحمد اللّه ثمّ قال : ما بال أقوام يتنزّهون عن الشيء أصنعه فواللّه إنّي لأعلمهم باللّه وأشدّهم له خشية .