السيد حيدر الآملي

472

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

( حصول العلم من طريقين : التعلّم الإنساني والتعلّم الرباني ) اعلم أن العلم الإنساني يحصل من طريقين أحدهما التعلّم الإنساني والثاني التعلّم الرباني : أما الطريق الأوّل وهو التعليم الإنساني فطريق مشهور مسلوك محسوس يقرّبه جميع العقلاء ، وهذا العلم يكون على وجهين أحدهما من خارج وهو التحصيل بالتعلم والآخر من داخل وهو التحصيل بالتفكّر ، والتفكّر من الباطن بمنزلة التعلّم من الظاهر ، فإن التعلّم هو استفادة الشخص من الشخص الجزوى ، والتفكّر هو استفادة الروح من النفس الكلي ، والنفس الكلي أشدّ تأثيرا وأقوى تعليما من جميع العلماء والعقلاء ، والعلوم مركوزة في أصل النفوس بالقوة كالبذر في الأرض والجوهر في قعر البحر وفي قلب المعدن ، والتعلّم هو طلب خروج ذلك الشيء الذي بالقوة إلى الفعل ، والتعليم هو إخراجه من القوة إلى الفعل ، فنفس المتعلّم يتعلّم بنفس العالم ويتقرب إليها بالنسبة بها ، فالعالم بالإفادة كالزّارع والمتعلّم بالاستفادة كالأرض والعلم الذي بالقوّة كالبذر والذي بالفعل كالنبات ، وإذا كمل نفس المتعلّم يكون كالشجر المثمر وكالجوهر الظاهر من قعر البحر وإذا ظهرت القوى البدنية على النفس يحتاج المتعلّم إلى زيادة التعلّم وطول المدة ويحتمل المشقة والتعب في طلب الفائدة ، وإذا غلب ( ظهر ) نور العقل على أوصاف الحسّ ، يستغني الطالب بقليل الفكر عن كثرة التعلّم ، فإن نفس العاقل تجد من الفوائد بتفكر ساعة ما لا يجد نفس الجاهل بتعلّم سنة ، فإذا فبعض الناس يحصلون العلوم بالتعلّم وبعضهم بالتفكّر ، والتعلّم يحتاج إلى التفكّر ، فإن الإنسان لا يقدر أن يتعلّم جميع الأشياء من الجزئيات والكليات وجميع العادات ، بل يتعلّم شيئا ويستخرج بالتفكّر من العلوم شيئا ، وأكثر العلوم النظرية والصنائع العملية استخرجها نفوس الحكماء بصفاء ذهنهم وقوّة فكرهم وحدّة حدسهم من غير زيادة تعلّم وتحصيل ، ولولا أن يستخرج العالم بالتفكّر شيئا من معلومه الأوّل لكان يطول الأمر على الناس ولما كانت تزول ظلمة الجهل عن القلوب ، لأن النفوس لا تقدر أن تتعلّم جميع مهماتها الجزئية والكلية بالتعلّم بل بعضها يتعلّمه بالتحصيل وبعضها يتعلمه بالنظر كما ترى عادات الناس في الأمور المستحسنة ، وبعضها يستخرجه عن ضميره بصفاء فكره . وعلى هذا جرت عادة العلماء ( وصارت ) قاعدة العلوم