السيد حيدر الآملي

424

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

بصيرا بهذا المعنى ، وأما بحسب الحقيقة فهو أنه السميع والبصير حقيقة ، بمعنى أنه هو السميع البصير في الحقيقة لا غير ، لأن الألف واللام في السميع والبصير ، يفيد الحصر في السّميعيّة والبصيريّة ، كقولك : هو الرجل ، أي الكامل في الرجولية الجامع لما يكون في الرجال من خيار الخصال ، أو لقولك هو العالم أي الكامل في العالمية الجامع لما يكون في العالم من فنون العلوم . وورد في الحديث القدسي : لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته فكنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله ، فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش وبي يمشي . [ مرّت الإشارة إليه في التعليقة 85 فراجع ] . وبيان ذلك وهو أن السالك إذا وصل إلى مقام الفناء وحصل له البقاء بعد الفناء وشاهد الكل بعين الحق ، والحق بعين الكل ، عرف أنه السامع والمستمع والناظر والمنظور والكلام والمتكلّم والمريد والمراد والطالب والمطلوب والعاشق والمعشوق ، كما قال بعضهم : فلمّا أضاء الليل أصبحت عارفا * بأنّك مذكور وذكر وذاكر ( المراد من مجيء الربّ ) وكقوله عزّ وجلّ : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [ سورة الفجر : 22 ] . وكقوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ [ سورة البقرة : 210 ] . فإنّ المراد بالمجيء ليس مجيئه بنفسه ، كمجيء الإنسان برجل بل المجيء هو مجيء أمره ، أمّا في الدنيا بالتكليف والابتلاء ، وأمّا في الآخرة بالثواب والجزاء وغيرهما ، لأنّ المجيء المعهود من الإنسان والحيوان يوجب الإمكان والمكان والتحيّز والجهة وجنابه منزّه عن أمثال ذلك .