السيد حيدر الآملي
379
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
ومثال ذلك مثال النّار في تصرفاتها لأنّ النّار لها طبيعة واحدة وتصرّفات متنوّعة كتصرّفها مثلا في الشمع بالإذابة ، وفي البيض بالانعقاد ، وفي الجلود بالاجتماع ، وفي الخشب بالافتراق ، وكذلك الشّمس فإنّ لها طبيعة واحدة أيضا وتصرّفات متنوّعة ، كالتّجفيف في موضع ، والتّحليل في موضع آخر ، والتّمجيد في موضع ، والتّذويب في موضع آخر من غير تغيّر في طبيعتها ولا تبدّل في ذاتها ، ولدقّة هذه المعاني وصعوبة إدراكها منع الحقّ تعالى إضافة كفرهم إلى مشيّته من حيث التّأثير والتأثّر في قوله : وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [ سورة النحل : 35 ] . ( المشية بمعنى العلم وأن اللّه سبحانه عالم في الأزل بكفر الكافر ) لأنّ المشيّة عند التّحقيق ، فهي بمعنى العلم خصوصا على رأي أهل البيت ( ع ) ، والعلم ليس له تأثير في المعلوم بالاتّفاق ، فلا يكون كفرهم بإرادته وأمره بل بعلمه ومشيّته ، وحينئذ يكون معنى المشيّة في جميع المواضع القرآنيّة بمعنى العلم ويكون تقديره لو علم اللّه في الأزل كذلك لكان ذلك الأمر كذلك ولكن ما علمه إلّا بعكس ذلك ، فلا يكون إلّا كذلك ، وهذا دقيق يحتاج إلى فهم دقيق ، والإشكال والشّبهة في هذا المقام وجميع المقامات المتعلّقة بالمشيّة والإرادة ، ما وقع إلّا من عدم الفرق بين المشية والإرادة ، وبين العلم والأمر والجبر والقدر ، لأنّ اللّه تعالى ذكر في بعض المواضع المشيّة وأراد العلم وذكر العلم وأراد المشيّة ، وذكر الإرادة وأراد الأمر ، وذكر الأمر وأراد الإرادة ، وكذلك الجبر والقدر ، وكلّ عاقل يعرف بالتّحقيق أن اللّه تعالى كان عالما في الأزل بكفر الكافر وظلم الظّالم لكن لم يكن راضيا بهما عنهما ، لقوله في الأوّل : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [ سورة الزّمر : 7 ] . ولقوله في الثّاني : أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [ سورة هود : 18 ] . وكذلك كان عالما بقتل الأنبياء ( ع ) ، ولكن لم يكن له في ذلك إرادة ولا