السيد حيدر الآملي

377

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

المقالة الثانية في تأويل قوله : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً [ سورة هود : 118 ] : اعلم ، أنّ قوله : ولو شاء ربك معناه أي ولو شاء ربّك أن يجعل النّاس أمّة واحدة على سبيل الإلجاء والجبر والقهر لأمكن لأنّه قادر على كلّ شيء من الممكنات ، وهذا من الممكنات ، لكن ما يشاء إلّا على سبيل الاختيار والإرادة ، لأن التّكليف الإلجائي ينافي الغرض منه ، ونقض الغرض على الحكيم محال ، فمحال أن يفعل الحكيم مثل هذا ، وذلك لأنّ الهداية على سبيل الجبر والقهر تؤدّي إلى عدم القدرة والاختيار وارتفاع التّكليف مطلقا ، ويلزم منه إبطال الأحكام الشّرعيّة والأوضاع الكليّة الإلهيّة من الدّعوة والإرشاد والنبوّة والرّسالة والمعاد واستغناء الخلق عن الأصول والفروع والثّواب والأجر وعدم خوفهم من الجحيم والعذاب وأمثال ذلك ، لأنّ كل ذلك مبنيّ على القدرة والاختيار فإذا ارتفعا ارتفع الكل ، وإذا ذهبا ذهب المجموع لأنّ العبد لو لم يكن مختارا لم يكن محتاجا إلى نبيّ ولا رسول ولا فروع ولا أصول ، لأنّ الاحتياج إلى الرّسول والنبيّ ، أن يعلم الناس واجبات الدين من الأصول والفروع ويرشدهم إلى الحقّ تعالى ويقرّبهم إلى الجنّة والثّواب ويبعّدهم عن الجحيم والعقاب فإذا لم يكن في نفسه مختارا لم يكن له في ذلك اختيار وبل يكون معذورا عند اللّه وعند الخلق وليس الحال كذلك لأنّ هذا جبر محض وإلجاء صرف وجلّ جناب الحقّ أن يفعل مثل ذلك وإلى هذا أشار بقوله : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ سورة يونس : 99 ] . ليكون جوابا لذلك القول وتقديره : لو شاء ربك أن يحكم على جميع النّاس جبرا وقهرا بالإلجاء والإكراه أن يؤمنوا به وبك لحكم عليهم حكما جزما وانفصل الأمر وانقضى الدّهر وظهر يوم القيامة ولكن ما يشاء إلّا أن يؤمنوا بأنفسهم اختيارا وإرادة ليستحقّوا به الثّواب الدّائم بأفعالهم الحسنة وأعمالهم الصّالحة ويستوجبوا العقاب الدّائم بأفعالهم وأعمالهم الرديّة ، لأنّ إجبارهم وإكراههم على الإسلام والإيمان