السيد حيدر الآملي

359

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

إشارة إلى هذا ، أي إلى أنّ هذا الكتاب ( لا بدّ أن يكون ) شاملا للكلّ بحسب استعداداتهم وقابليّاتهم . وأيضا قد تقرّر في الأصول كما بيّناه مرارا أنّ اللطف واجب على اللّه تعالى بحيث لا يخلو أحد منه من خلق اللّه ولا زمان من الأزمنة المتعاقبة المتتالية ولو طرفة عين ، ومن جملة ألطافه بعد النبيّ والإمام ، الكتاب النّازل على الخلق المشتمل على مصالح معاشهم ومعادهم ، فإن لم يكن هذا الكتاب شاملا للكلّ ، وهذا النّبيّ والإمام باقيا لبيانه ما دام التّكليف باقيا على وجه الأرض أو إلى يوم القيامة ، يكون الحقّ تعالى مخلّا بالواجب وهذا محال ، لأنّه حكيم كامل والحكيم الكامل لا يفعل قبيحا ولا يخلّ بواجب ، وعلى هذا التّقدير يجب أن يكون هذا الكتاب باقيا وهذا الإمام المسمّى بالخليفة عند البعض ، وبالقطب عند البعض ، موجودا ما دام المكلّف موجودا . وإن قلت : لا يلزم الإخلال بالواجب من اللّه تعالى إن لم تصل دعوة نبيّ من أنبيائه أو إرشاد كتب من كتبه إلى جميع المكلّفين ، فإنّ كثيرا من الأنبياء كانوا مبعوثين إلى بعض النّاس ولم يكونوا مأمورين بإرشاد الكلّ ، كيونس وذي النّون وجرجيس وغيرهم . قلنا : لا نسلّم ذلك فإنّه قد تقرّر في الأصول ، أنّ كلّ زمان لا بدّ له من نبيّ معصوم أو إمام معصوم من قبله ، يكون وجوده لطفا بالنّسبة إلى ذلك الزّمان وأهله ، وجميع الأنبياء كانوا كذلك ، والمراد ها هنا بالأنبياء ، الرّسل ، لأنّ كلّ نبيّ ليس برسول ، ويجوز أن يكون في زمان واحد كم من نبيّ ، ولا يجوز أن يكون في زمان واحد رسولين ولا إمامين ، لكن حيث كانوا في بقعة أو عند قوم خصّصوا بهم كما قال تعالى في حق نبيّنا ( ص ) : وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها [ سورة الأنعام : 92 ] . ومعلوم أنّ نبيّنا كان مبعوثا إلى الكلّ لقوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ سورة الأنبياء : 107 ] .