السيد حيدر الآملي

354

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

( الغرض من التكليف وإرسال الرسل ) وبالجملة فإذا خلقهم وكلّفهم بتكليف وليس لهم علم بكيفيّة ذلك التّكليف ولا استعداد تعلمه منه تعالى بأنفسهم ولا قابليّة تحصيله بعقولهم الضّعيفة وأفكارهم الرّكيكة ، فلعدم إيفاء عقولهم بحقيقة ذلك التكليف وضعف نفوسهم عن دركه . وأمّا الأوّل فلعدم المناسبة بينه وبينهم وعدم القابليّة لذلك في أكثرهم أمّا بالذّات أو بالعرض ، أو بكليهما لأنّ الفاعل والقابل لا بدّ بينهما من مناسبة مّا حتّى يقع الفعل من الفاعل والقبول من القابل ( ويحسن ) ويحصل الغرض من الطرفين ، وإلّا الفاعل بدون القابل لم يمكن من الفعل أصلا ، ولذلك يمتنع عليه تعالى إيجاد شريكه لأنّه مستحيل الوجود في ذاته كما هو واجب الوجود في ذاته ، ومحال أن يقبل العدم المطلق ، الوجود ، كما أنّه محال أن يقبل الوجود المطلق العدم ، ومن هذا انحصرت الفاعليّة والقابليّة في الواجب والممكن ، وهذا لممتنع ، فإنّ الممتنع ليس له هذه القابلية في ذاته لأنّه لو كان كذلك لم يكن ممتنعا ، فالفاعل الحقيقي هو الواجب دائما والقابل هو الممكن دائما ، وهذا بحث مفروغ عنه عند أهله وليس له دخل في هذا المقام لكن لا يخلو من فوائد . والغرض أنّ هؤلاء المكلّفين إذا لم يكن لهم قابليّة أخذ التكليف منه تعالى بأنفسهم لقوله جلّ ذكره : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [ سورة الشورى : 51 ] . وإنّه تعالى كلّفهم بذلك ولا بدّ منه فيجب عليه تعالى حينئذ تعيين جماعة يكون بينه وبينهم مناسبة ما من حيث التّقدس والتجرّد والتّنزّه والطّهارة الحقيقيّة والتخلّق بأخلاقه والاتّصاف بصفاته ، وكذلك بينهم وبين المكلّفين من الإمكان والحدوث والبشريّة والخلقة والاتحاد في النوع والمشاركة في الوضع والشّكل ، ملكا كان أو بشرا أو كلاهما حتّى يأخذون التكليف من الأوامر والنّواهي والعلوم والحقائق المتعلّقة بالشّرع منه تعالى بحكم المناسبة ويوصلونها إليهم أيضا بحكم المناسبة ، لقوله : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [ سورة الأنعام :