السيد حيدر الآملي

293

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

الوجه الثاني في بيان وجوب التأويل عقلا ونقلا ، والتمسك فيه بقول اللّه تعالى وقول أنبيائه وأوليائه ( ع ) اعلم أن هذا الوجه مشتمل على بيان وجوب التأويل عقلا ونقلا ، والاستشهاد فيه بقول اللّه تعالى ، ثم بقول أنبيائه ، ثم بقول أوليائه ، ثم بقول المشايخ رضوان اللّه عليهم أجمعين . أما قول اللّه تعالى ، فالذي قال : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [ سورة آل عمران : 7 ] . والذي قال : وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ [ سورة الأعراف : 52 - 53 ] . لأن هذين القولين من أعظم الدلالات على وجوب التأويل ، فإن القول الأول ، يشهد بأن التأويل واجب ، لكن يشير إلى أن التأويل على قسمين كما سبقت الإشارة إليهما : الأول تأويل للفتنة والفساد في الدين والاعتقاد ، وهو تأويل أهل الزّيغ والضلال الذين يأخذون المتشابهات دون المحكمات ، ويأوّلون على آرائهم واعتقادهم . والثاني : تأويل للخير والصواب والهداية والإرشاد ، وهو تأويل أهل العلم وأرباب الكمال من العلماء الرّاسخين في العلوم الإلهيّة الذين يأخذون المحكم أصلا والمتشابه فرعا ، ويوافقون بينهما ويأوّلونهما على الوجه الذي ينبغي ، وعلى