السيد حيدر الآملي

223

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

--> جدا بل كاد أن لا يمكن إلّا لأوحدي من الموحّدين الطاهرين » . قال الملّا محسن في قرّة العيون : قال بعض العارفين : إذا تجلّى اللّه بذاته لأحد يرى كلّ الذوّات والصفات والأفعال متلاشية في أشعّة ذاته وصفاته وأفعاله ، ويجد نفسه مع جميع المخلوقات كأنّها مدبّرة لها وهي أعضاؤه لا يلمّ بواحد منها شيء إلّا وهو يراه ملمّا به ويرى ذاته الذات الواحدة وصفته صفتها وفعله فعلها لاستهلاكه بالكلّيّة في عين التوحيد ، ولمّا انجذب بصيرة الروح إلى مشاهدة جمال الذات استتر نور العقل الفارق بين الأشياء في غلبة نور الذات القديمة وارتفع التمييز بين القدم والحدوث لزهوق الباطل عند مجيء الحقّ إلى أن قال : ولعل هذا هو السّر في صدور بعض الكلمات الغريبة من مولانا أمير المؤمنين في خطبة البيان ، وفي خطبته الموسومة بالطتنجيّة وغيرها من نظائرهما كقوله ( ع ) : أنا آدم الأوّل ، أنا نوح الأوّل إلى آخر ما قال من أمثال ذلك . انتهى كلامه . الرابعة ، عملوا بمقتضى قوله تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ سورة النساء ، الآية : 65 ] . فأولئك المؤمنون ، الممتحنون الّذين امتحن اللّه قلوبهم للإيمان ، وشرح صدورهم للإسلام ، وهم المتّبعون لقادة الدّين الأئمّة الهادين الّذين يتأدّبون بآدابهم وينهجون نهجهم ، بهم العلم على حقيقة الإيمان ، فاستجابت أرواحهم لقادة العلم ، واستلانوا من أحاديثهم ما استوعر على غيرهم ، وآنسوا بما استوحش منه المكذّبون وأباه المسرفون ، فانقطعوا إلى ربّهم وحاولوا قراءة الألواح الآفاقيّة والأنفسيّة الّتي قد نقش اللّه سبحانه فيها جميع الأسرار المخزونة في ملكوته وجبروته ولاهوته ، فعرفوها بتعليم اللّه سبحانه وتعالى بألسنة أوليائه بعد ما جاهدوا في اللّه حقّ جهاده ، فنظروا في العالم والكتاب والسنّة من غير معاندة ولجاج ، ولا قاعدة مأخوذة من غير أهل الحقّ ( ع ) ليتلوا ما يوافقها ويتركوا ما يخالفها ، أو يؤلوا ( إليها ) ، ولا استئناس بطائفة ليميلوا بقلوبهم ليمنعهم عن إصابة الواقع بتلون مرآة حقائقهم بلون ذلك الميل ، بل نظروا إلى الكتاب والسنّة والآيات الآفاقيّة والأنفسيّة بخالص الفطرة وصافي الطويّة طالبي الحقّ والصواب من اللّه سبحانه بأهل فصل الخطاب عليهم سلام اللّه في المبدأ والمآب ، فقابلت مرايا قلوبهم عالم النور الّذي هو وجه اللّه سبحانه ، قال اللّه تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فظهرت في قلوبهم صور الحقائق المنتزعة من كتاب الأبرار في علّيّين فنطقوا بالحق والصواب وهو قوله عزّ وجلّ : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ سورة العنكبوت ، الآية : 69 ] . وهذه كيفيّتها وطريقها ، فعرفوا الشيء الواحد في مقامات عديدة هي خزائن وجوده قال اللّه تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ [ سورة الحجر ، الآية : 21 ] . فعرفوا في جميع الخزائن وإن قال تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [ سورة الأنعام ، الآية : 59 ] . لكنّه قال تعالى :