السيد حيدر الآملي

مقدمة 19

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

« يا أبا عبّاس إذا صلّيت عشاء الآخرة فالحقني إلى الجبانة ، قال : فصلّيت ولحقته وكانت ليلة مقمرة ، قال : فقال عليه السّلام لي : ما تفسير الألف من الحمد ، قال : فما علمت حرفا أجيبه ، قال : فتكلّم في تفسيرها ساعة تامّة ، قال : ثمّ قال لي : فما تفسير اللّام من الحمد ، فقلت : لا أعلم ، قال : فتكلّم فيها ساعة تامّة ، قال : ثمّ قال : ما تفسير الدّال من الحمد ، قلت : لا أدري ، قال : فتكلّم فيها حتّى برق عمود الفجر » الحديث . وهذا شاهد آخر بأنّ القرآن بحر موّاج لا نهاية لحقائقه ومعارفه ومعانيه . طريق تحصيل العلم والمعرفة ليس تحصيل العلم والمعرفة منحصرا بالطريقة العامّة الكسبيّة فقط ، يعني طريق التعلّم والتعليم والكتاب والمطالعة وغير ذلك ، بل لصيرورة الإنسان عالما طرق أخرى ، وهي : طريق التزكية والتصفية ، وطريق التوجّه والتقوى ، وطريق القلب والفطرة ، وطريق الكشف والشهود والولاية ، وهذه الطرق غير طريق الحسّ والعقل والتجربة والتفكّر ، فانظر وتأمّل في الآيات التالية : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ( الطّلاق 2 ) . ومن المسلّم أنّه ليس المراد من الرّزق في هذه الآية الكريمة هو رزق البطن والغرائز ، لأنّه لا يحتاج إلى التقوى واللّه سبحانه وتعالى يرزق كلّ من خلق من الإنسان وإن كان غير تقيّ ، كما يرزق سائر الحيوانات والموجودات بدون شرط : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها ( هود 6 ) . بل المراد هو الرزق المناسب مع شأن الإنسان من جهة حيثيّته الإنسانية وذلك هو المعرفة والتوحيد وهذا الرزق والزاد يتطلّب الأرضيّة المهيّئة والنفس المستعدّة ، والطّهارة ، والقلب السليم . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ( الأنفال 29 ) . الفرقان هو نفس الرّزق في الآية السابقة وفي هذا المعنى آيات وروايات كثيرة . وهناك حديث الأربعين ، وقد نقل عن طريق الخاصّة والعامّة عن الرسول الخاتم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :