علم الدين السخاوي
570
جمال القرّاء وكمال الإقراء
أنكرها أبو عمرو : لأنها لم تبلغه على وجه التواتر « 1 » . وعن أبي حاتم السجستاني « 2 » - رحمه اللّه - قال : أول من تتبع بالبصرة وجوه القرآن وألفها ، وتتبع الشاذ منها فبحث عن إسناده : هارون ابن موسى الأعور ، وكان من العتيك مولى ، وكان من القراء ، فكره الناس ذلك ، وقالوا : قد أساء حين ألفها ، وذلك أن القراءة « 3 » إنّما يأخذها قرون وأمة عن أفواه أمة ، ولا يلتفت منها إلى ما جاء من وراء وراء . وقال الأصمعي : عن هارون المذكور - كان ثقة مأمونا ، وقال « 4 » : كنت أشتهي أن يضرب لمكان تأليفه الحروف « 5 » وكان الأصمعي لا يذكر أحدا بسوء إلا من عرفه ببدعة . قلت : وإذا كان القرآن هو المتواتر ، فالشاذ ليس بقرآن لأنه لم يتواتر فإن قيل : لعلّه قد كان مشهورا متواترا ، ثم ترك حتى صار شاذا . قلت : هذا كالمستحيل بما تحققناه من أحوال هذه الأمة وأتباعها لما جاء عن نبيها صلّى اللّه عليه وسلّم ، وحرصها على امتثال أوامره . وقد قال لهم صلّى اللّه عليه وسلّم : « بلغوا عني ولو آية » « 6 » . وأمرهم باتباع القرآن والحرص عليه ، وحضّهم على تعلّمه وتعليمه ، ووعدهم على ذلك الثواب الجزيل والمقام الجليل ، فكيف استجازوا تركه ، وهجروا القراءة به حتى صار شاذا بتضييعهم إياه وانحرافهم عنه ؟ فإن قيل منعوا من القراءة به وحرقت مصاحفه . قلت : هذا من المحال ، وليس في قدرة أحد من البشر أن يرفع ما أطبقت عليه الأمة
--> التواتر لم يقدح ذلك فيما سبق من العلم بها ، فقراءة السبع كلها متواترة وقد اتفق على أن المكتوب في المصاحف متواتر الكلمات والحروف . . . » اه لطائف الإشارات ( 1 / 78 ) . ( 1 ) وقد روى أن أبا عمرو رجع إلى قراءة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . انظر : تفسير القرطبي ( 20 / 57 ) . ( 2 ) هو سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد أبو حاتم السجستاني ، إمام البصرة في النحو والقراءة واللغة والعروض ، له مصنفات في القراءات ، توفي سنة 255 ه . الفهرست لابن النديم ( ص 86 ) ومعرفة القراء الكبار ( 1 / 219 ) وغاية النهاية ( 1 / 320 ) . ( 3 ) في د : أن القراء . ( 4 ) في بقية النسخ : قال . ( 5 ) كلام أبي حاتم السجستاني والأصمعي ذكره أبو شامة تلميذ السخاوي نقلا عن « جمال القراء » انظر المرشد الوجيز ( ص 181 ) وراجع غاية النهاية ( 2 / 348 ) . ( 6 ) رواه البخاري كتاب الأنبياء باب ذكر بني إسرائيل ( 4 / 145 ) ، والترمذي في أبواب العلم باب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل ( 7 / 431 ) .